فِي صِفَاتِهِ، فَإِذَا قَبَضَ قَبْضَةً فَهِيَ بِعِلْمِهِ وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَهُوَ تَعَالَى قَبْضَ
بِالْيُمْنَى عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَطِيعُهُ حِينَ يُؤْمَرُ بِطَاعَتِهِ، وَقَبَضَ بِالْأُخْرَى عَلَى مَنْ سَبَقَ فِي
عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ سَيُعْصِيهِ حِينَ يُؤْمَرُ بِطَاعَتِهِ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَى عَدْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقْبِضَ
بِالْيُمْنَى عَلَى مَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقَبْضَةِ الْأُخْرَى، وَالْعَكْسِ بِالْعَكْسِ، كَيْفَ
وَاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ. كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) .
ثم إِنَّ كُلا مِنْ الْقَبْضَتَيْنِ لَيْسَ فِيهَا إجْبَارٌ لِأَصْحَابِهِمَا أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ، بَلْ هُوَ حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ بِمَا سَيَصْدَرُ مِنْهُمْ مِنْ إيمَانِ
يَسْتَلْزِمُ الْجَنَّةَ، أَوْ كَفَرَ يَقْتَضِي النَّارَ وَالْعِيَاذَ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا، وَكُلٌّ مِنَ
الْإِيمَانِ أَوْ الْكُفْرِ أَمْرَانِ اخْتِيَارِيَّانِ، لَا يُكْرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحَدًا مِنْ خَلْقِهُ
عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنَّ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْفُرَ)، وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ
بِالضَّرُورَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَبْثًا، وَاَللَّهُ مَنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَمِنْ الْمُؤَسِّفِ حَقًّا أَنْ نَسْمَعَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى مِنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ
الْإِنْسَانِ مَجْبُورٌ لَا إرَادَةَ لَهُ! وَبِذَلِكَ يَلْزَمُونَ أَنْفُسَهُمْ الْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ
يَظْلِمَ النَّاسَ! مَعَ تَصْرِيحِهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يَظْلِمُهُمْ مِثْقَالُ ذُرَّةٍ، وَإِعْلَانُهُ بِأَنَّهُ قَادِرَ
عَلَى الظُّلْمِ وَلَكِنَّهُ نَزُّهُ نَفْسَهُ عَنْهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ الْمَشْهُورِ:
" يَا عِبَّادِي إِنِّي حَرِّمْتُ الظُّلْمُ عَلَى نَفْسِي ... " وَإِذَا جُوبَهُوا بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ، بَادَّرُوَا
إلَى الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لا يَسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ)، مِصْرَينِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ
تَعَالَى قَدْ يَظْلَمُ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ!
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout