وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ " الْجِهَةِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مَعْدُومٌ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ (١) لَا مَوْجُودَ إِلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، فَإِذَا أُرِيدَ بِالْجِهَةِ أَمْرٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ اللَّهِ كَانَ مَخْلُوقًا، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَحْصُرُهُ وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ (٢ فَإِنَّهُ بَائِنٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ٢) (٢) .
وَإِنْ أُرِيدَ بِالْجِهَةِ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ، وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ (٣)، فَلَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ فِي جِهَةٍ ; [إِنْ] (٤) كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ هُنَاكَ فَوْقَ الْعَالَمِ حَيْثُ انْتَهَتِ الْمَخْلُوقَاتُ، فَهُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ عَالٍ عَلَيْهِ. (٥) [وَنُفَاةُ لَفْظِ " الْجِهَةِ " يَذْكُرُونَ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَنَّ الْجِهَاتِ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْجِهَةِ، وَأَنَّهُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي جِهَةٍ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الْجِهَةِ ثُمَّ صَارَ فِيهَا.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَنَحْوُهَا إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ سَوَاءٌ سُمِّيَ جِهَةً أَوْ لَمْ يُسَمَّ. وَهَذَا حَقٌّ ; فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الْمَخْلُوقَاتُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا: الْعَرْشِ أَوْ غَيْرِهِ. وَمَنْ ظَنَّ مِنَ الْجُهَّالِ أَنَّهُ إِذَا نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا - كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ (٦) - يَكُونُ الْعَرْشُ فَوْقَهُ، وَيَكُونُ مَحْصُورًا بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ
1 (١) ب، أ: أَنْ. (٢): (٢ - ٢) سَاقِطٌ مِنْ (ب)، (أ) . (٣) . ن، م: مَا فَوْقَ الْفَلَكِ. (٤) إِنْ: فِي (ع) فَقَطْ. (٥) الْكَلَامُ التَّالِي بَعْدَ الْقَوْسِ فِي (ع) فَقَطْ، وَيَنْتَهِي فِي الصَّفْحَةِ التَّالِيَةِ. (٦) الْإِشَارَةُ هُنَا إِلَى حَدِيثِ النُّزُولِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ وُجُوهٍ عِدَّةٍ وَنَصُّ الْحَدِيثِ فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ (الْبُخَارِيِّ ٢/٥٢ - ٥٣، كِتَابُ التَّهَجُّدِ، بَابُ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ): " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهِ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ". وَهُوَ مَوْجُودٌ أَيْضًا فِي: الْبُخَارِيِّ ٨/٧١ (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ الدُّعَاءِ نِصْفَ اللَّيْلِ)، ٩/١٤٣ (كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ) ; مُسْلِمٍ ١/٥٢١ - ٥٢٣ (كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَالْإِجَابَةِ فِيهِ) ; سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ٢/٤٧ (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ أَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ)، ٤/٣١٤ (كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابُ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) الْأَرْقَامُ ٩٦٧، ٩٦٨، ٣٦٧٣، ٣٨٢١، ٧٥٠٠، ٧٥٨٢، ٧٦١١، ٧٧٧٩. وَهُوَ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى كَثِيرَةٍ فِي الْمُسْنَدِ، وَرُوِيَ كَذَلِكَ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَسُنَنِ الدَّارِمِيِّ وَمُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ (وَانْظُرْ: مِفْتَاحَ كُنُوزِ السُّنَّةِ، مَادَّةَ: الدُّعَاءِ) . وَأَفْرَدَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فَصْلًا لِأَحَادِيثِ النُّزُولِ فِي كِتَابِهِ " التَّوْحِيدِ "، ص ٨٣ - ٩٠
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout