وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَتَكَلَّمُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَهُ، فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَيَخْطُبُ وَيُفْتِي، يُوَقِّرُهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ رَاضِيًا بِمَا يَفْعَلُ.
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَقَدُّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ، بَلْ بِإِذْنٍ مِنْهُ قَدْ عَلِمَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مَعُونَةً لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَتَبْلِيغًا عَنْهُ، وَتَنْفِيذًا لِأَمْرِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالرَّسُولِ وَأَحَبَّهُمْ (١) إِلَى الرَّسُولِ وَأَتْبَعَهُمْ لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ: إِنَّهُ لَمَّا أَنْفَذَهُ بِبَرَاءَةَ رَدَّهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَذِبٌ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ، ذَهَبَ كَمَا أَمَرَهُ، وَأَقَامَ الْحَجَّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، عَامَ تِسْعٍ، لِلنَّاسِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى قَضَى الْحَجَّ، وَأَنْفَذَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ، وَكَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، وَكَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ عُهُودٌ مُطْلَقَةٌ، فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: «أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ»، فَنَادَى بِذَلِكَ مَنْ أَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِالنِّدَاءِ ذَلِكَ الْعَامَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ نَادَى بِذَلِكَ فِي الْمَوْسِمِ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنْ لَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ أَرْدَفَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيَنْبِذَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الْعُهُودَ.
قَالُوا: وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ لَا يَعْقِدَ الْعُهُودَ وَلَا يَفْسَخُهَا إِلَّا الْمُطَاعُ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. فَبَعَثَ عَلِيًّا لِأَجْلِ فَسْخِ الْعُهُودِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً، لَمْ يَبْعَثْهُ لِشَيْءٍ آخَرَ، وَلِهَذَا كَانَ عَلِيٌّ يُصَلِّي خَلْفَ
1 (١) ح، ر، ي: وَأَخَصَّهُمْ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout