فَيَكُون مَذْهَبَهُ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي رَجَّحهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ لَيْسَ غَيْرُ مَا يَتَرَجََّح عِنْدَهُ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْمَرْجُوحِ مَعَهُ بَيَانُ مَرْجُوحِيَّتِهِ لِئَلََّّا يَتَوَهََّّم رُجْحَانَهُ (^٢)، ثم النَّظَرُ فِي أَمْرَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: فِي نِسْبَةِ الْأَقْوَالِ الْمَرْجُوحَةِ إلَى الشَّافِعِيِّ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ عَدَمُ نِسْبَتِهَا إلَيْهِ وَالْجَزْمُ بِمَا رَجََّّحه، وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ النِّسْبَةِ، وَقَدْ يُجْزَمُ بَعْضُهُمْ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَالثَّانِي عَلَى التَّوَسُّعِ وَالْمَجَازِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ وَقَدْ صَرَّحَ بِاخْتِيَارِهِ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ، لَكِنْ تَرْدِيدَهُ الْقَوْلَ وَعَدَمَ جَزْمِهِ بِالْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًَا وَجْهًَا مِنْ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ، وَأَنَّهَا مَحَلًُّّ اجْتِهَادُ الْمُتَّفَقَِّه الْمُجْتَهِدُ وَمُبَاحَثَتُهُ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ جَازَ النِّسْبَةُ.
ثَانِيهِمَا: مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِي تَرْجِيحِهِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ يُقَلِّدُ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُُّّ لَهُ إلَّا مُوَافَقَتُهُ فِي تَرْجِيحِهِ، لَكِنَّ الْأَصْحَابَ وَهُمْ أَهْلُ اجْتِهَادٍ قَدْ يُخَالِفُونَهُ فِي التَّرْجِيحِ، إمَّا عَلَى أَسَاسِ التَّخْرِيجِ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَوْ عَلَى أَسَاسِ الدَّلِيلِ وَاخْتِيَارِ الْقَوْلِ الْخَارِجِ مِنْ أُصُولِ الْمَذْهَبِ، وَلَا يَسْتَنْكِرُ هَذَا مِنْهُمْ، فَهُمْ قَدْ يَسْتَخْرِجُونَ الْقَوْلَ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ فَيُعَارَضُونَ بِهِ النَّصََّّ الْجَازِم، وَقَدْ يُخَالِفُونَ الْمَذْهَبَ وَيَقُولُونَ بِحَسَبِ مَا أَدََّّاهْم إلَّاهُ الِاجْتِهَادُ الْمُطْلَقَ، فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَصِحََّّ مُخَالَفَتُهُمْ لِلشَّافِعِيِّ فِي
1 انظر الضرب الأول من القسم الرابع عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٩).
2 انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٦٧)، و«الغيث الهامع» للعراقي (٣/ ٨٣).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout