قُلْت: ثُمَّ سَرَدَهَا الْقُرْطُبِيُّ، وَحَاصِلُهَا مَا أَنَا مَوْرِدُهُ مُلَخَّصًا:
فَالْأَوَّلُ -وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّحَاوِيُّ-: أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ مِنْ الْمَعَانِي الْمُتَقَارِبَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ نَحْوِ: أَقْبَلَ وَتُعَالُ وَهَلِمَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَأَبْيَنُ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزَدَّهُ فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةً أَحْرَفَ، فَقَالَ: اقْرَأْ فَكُلُّ شَافٍ كَافٍ إِلَّاَّ أَنْ تَخْلِطَ آيَةً رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ، أَوْ آيَةِ عَذَابٍ بِآيَةٍ رَحْمَةٍ، عَلَى نَحْوِ هَلَمَّ وَتُعَالٍ وَأَقْبَلُ وَاذْهَبْ وَاسْرَعْ وَعَجْلٍ.
وَرُوِى عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: ﴿َيَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحَدِيد: ١٣]: "للذين آمَنُوا أَمْهِلُونَا"للَّذِيْنَ آمَنُوا أَخَّرُونَا"للَّذِيْنَ آمَنُوا ارْقَبُونَا"، وَكَانَ يَقْرَأُ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البِقرة: ٢٠]: "مروا فِيه "سعوا فِيه". قَال الطَّحَاوِيُّ. وَغَيْرُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةً أَنْ يَقْرَأَ النَّاسُ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ، وَذَلِكَ لَمَّا كَانَ يَتَعَسَّرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ التِّلَاوَةَ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ، وَقَرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْكِتَابَةِ وَالضَّبْطِ وَإِتْقَانِ الْحِفْظِ وَقَدْ ادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَالْقَاضِي الْبَاقِلانِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ بِزَوَالِ الْعُذْرِ وَتَيْسِيرِ الْحِفْظِ وَكَثْرَةِ الضَّبْطِ وَتَعْلُّمِ الْكِتَابَةِ.
قُلْت: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانَ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيَّيْنِ الْمَأْمُورَ بِاتِّبَاعِهِمْ، وَإِنَّمَا جَمَعَهُمْ عَلَيْهَا لِمَّا رَأَى مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى تَفَرُّقِ الْأَمَةِ وَتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًَا، فَرَتِّبَ لَهُمْ الْمَصَاحِفُ الْأَئِمَّةُ عَلَى الْعَرَضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَارَضَ بِهَا جِبْرِيلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ مِنْ عُمْرِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِمْ أَلَا يَقْرَؤُوا بِغَيْرِهَا، وَأَلَّا يَتَعَاطُوا الرُّخْصَةَ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِيهَا سِعَةٌ، وَلَكِنَّهَا أَفَضَتْ إِلَى الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، كَمَا أَلْزَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسُ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثَةِ الْمَجْمُوعَةِ حِينَ تَتَابَعُوا فِيهَا وَأَكْثَرُوا مِنْهَا، قَالَ: فَلَوْ أَنَا أَمْضِيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ كَذَلِكَ يُنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ زِيَارَةَ الْبَيْتِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَقَدْ كَانَ أَبُو مُوسَى يُفْتِي بِالتَّمَتُّعِ فَتَرَكَ فَتَيَاهُ اتِّبَاعًا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَسَمْعًا وَطَاعَةً لِأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرِفَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ جَمِيعَهُ يَقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرِفَ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُ عَلَى حَرْفٍ وَبَعْضُهِ عَلَى حَرْفٍ آخَرَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ يَقْرَأُ بَعْضُهُ بِالسَّبْعِ لُغَاتٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائِدة: ٦٠] و﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]. قال القُرطَبِيُّ: ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَبُو عُبَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَبَعْضُ اللُّغَاتِ أَسْعَدُُ بِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَقَالَ الْقَاضِي الْبَاقِلانِيُّ: وَمَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ: إِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، أَيْ: مُعْظَمُهُ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ كُلِّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وَلمْ يُقُلِّ: قَرْشِيَا. قَالَ: وَاسْمُ الْعَرَبِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْقَبَائِلِ تَنَاوُلا وَاحِدًا، يَعْنِي حِجَازَهَا وَيُمَنُّهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بِنُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout