حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ لَاَ أَدْرِي مَا ﴿فََاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، حَتى أَتَانِي أَعْرَابِيَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فِطْرْتُهَا. يَقُولُ: أَنَا ابْتَدَأْتُهَا (^١). إسْنادُ جَيْدٍ أَيْضًا.
وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بَعْدَ مَا أَوْرَدَ طَرَفًا مِمَّا تَقَدَّمَ: وَصَحَّ وَثَبَتَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَلْسَنِ الْعَرَبِ الْبَعْضَ مِنْهَا دُونَ الْجَمْعِ (^٢) إذا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَلْسِنْتَهَا وَلُغَاتُهَا أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ بِمَا يَعْجِزُ عَنْ إِحْصَائِهِ ثُمَّ قَالَ: وَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى مَا قُلْتُهُ دُونَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا قَالَهُ مُخَالِفُوك، مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ بِأَمْرٍ وَزَجْرٍ، وَتَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ، وَقَصَصٍ وَمِثْلً، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ فَقَدْ عَلِمْتُ قَائِلَ ذَلِكَ مِنْ سَلَفِ الْأَمَةِ وَخِيَارِ الْأَئِمَّةِ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَدْعُوا أَنَّ تَأْوِيلَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، هُوَ مَا زَعَمْتُ أَنَّهُمْ قَالُوهُ فِي الْأَحْرَفِ السَّبْعَةَ، الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ دُونَ غَيْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِقَوْلِنَا مُخَالِفًا، وَإِنَّمَا أَخْبَرُوا أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرَفَ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى (^٣) سبْعَةُ أَوْجَه، وَاَلَّذِي قَالُوا مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا، وَقَدْ رُوِّينَا بِمِثْلِ الَّذِي قَالُوا مِنْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ (^٤).
قال ابن جرير: وَالْأَبْوَابُ السَّبْعَةُ مِنَ الْجَنَّةِ هِيَ الْمَعَانِي الَّتِي فِيهَا مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالْقِصَصِ وَالْمِثْلُ، الَّتِي إذَا عَمِلَ بِهَا الْعَامِلُ وَانْتَهَى إِلَى حُدُودِهَا الْمُنْتَهِي، اسْتَوْجَبَ بِهَا الْجَنَّةَ.
ثمَّ بَسَطَ الْقَوْلُ فِي هَذَا بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الشَّارِعَ رُخَّصٌ لِلْأَمَةِ التِّلَاوَةُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرِفَ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى الْإِمَامُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَخَافَ مَنْ تَفَرَّقِ كَلِمَتُهُمْ -جَمَعُهُمْ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ هَذَا الْمُصْحَفُ الْإِمَامُ، قَالَ: وَاسْتَوْثَقْتُ لَهُ الْأَمَةُ عَلَى ذَلِكَ بِالطَّاعَةِ، وَرَأَتْ أَنَّ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الرُّشْدِ وَالْهِدَايَةِ، وَتَرِكَتْ الْقِرَاءَةُ الْأَحْرِفُ السِّتَّةَ الَّتِي عَزَمَ عَلَيْهَا إمَامُهَا الْعَادِلُ فِي تَرْكِهَا طَاعَةً مِنْهَا لَهُ، وَنَظَرَ مِنْهَا لِأَنْفُسِهَا وَعَنْ بَعْدِهَا مِنْ سَائِرِ أَهْلِ مِلَّتِهَا، حَتَّى دَرَسَتْ مِنْ الْأَمَةِ مَعْرِفَتَهَا، وَتَعَفَتْ آثَارُهَا، فَلَا سَبِيلَ الْيَوْمِ لِأَحَدٍ إِلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا لِدُثُورِهَا وَعَفْوِ آثَارِهَا. إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنْ قَالَ مَنْ ضَعَفْتُ مَعْرِفَتَهُ: وَكَيْفَ جَازَ لَهُمْ تَرْكُ قِرَاءَةِ اقْرَأْهُمُوهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُمْ بِقِرَاءَتِهَا؟ قِيلَ: إِنَّ أَمَرَهُ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَمْرُ إيجَابٍ وَفَرْضٍ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرَ إبَاحَةٍ وَرُخْصَةً؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِمْ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْرَفِ السَّبْعَةَ عِنْدَ مَنْ يَقُومُ بِنَقْلِهِ الْحُجَّةَ، وَيَقْطَعُ خَبَرُهُ الْعُذْرَ، وَيُزِيلُ الشَّكُّ مِنْ قِرَاءَةِ الْأَمَةِ، وَفِي تَرْكِهِمْ نَقَلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ بِهَا مُخَيَّرِيْنَ. إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي رَفْعِ حَرْفٍ وَنَصْبَهُ وَجَرِهُ وَتِسْكِينِ حَرْفٍ وَتَحْرِيكِهِ، وَنَقَلَ حَرْفٌ إِلَى آخَرَ مَعَ اتِّفَاقِ
1 فضائل القرآن (ص ٢٠٦).
2 في ط: "الجميع".
3 في طـ، جـ: "من".
4 تفسير الطبري (١/ ٤٧).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout