الْعَدَاوَةُ مِنْهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَنَّهُ (^١) إذا أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ خَصْبٌ، وَنَصَرٌ وَتَأْيِيدٌ، وَكَثُرُوا وَعَزَّّ أَنْصَارُهُمْ، سَاءَ ذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ، وَإِنْ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ سَنَة (^٢) -أي: جَدْب-أو أُدِيل عَلَيهم الأَعْدَاءُ، لِمَّا لِلَّهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ، كَمَا جَرَى يَوْمٌ أَُحَُد، فَرح الْمُنَافِقُونَ بِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطَبًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] (^٣)) يَرشَدُهُمْ تَعَالَى إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ شَرِّ الْأَشْرَارِ وَكََيَْدِ الفُجّار، بِاسْتِعْمَالِ الصَّبْرِ وَالتَّقْوَى، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ مُحِيطٌ بِأَعْدَائِهِمْ، فَلَا حَوْلَ وَلَاَ قُوَّةَ لَهُمْ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَلَا يَقَعُ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ إِلَّا بِتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ.
ثم شَرَعَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ قِصَّةِ أَحَدٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الِاخْتِبَارِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَبَيَانُ صَبْر الصَّابِرِينَ، فَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾
المرادُ بهذه الوقعَةِ يَوْم أَُحَُد عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّّدِّي، وَغَيْرُ وَاحِدٌ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ لَاَ يَُعَوَّل (^٤) عليه.
وكانت وقعةُ أَحَدٌ يَوْمََ السَّبْتُ مِنْ شَوَّالِ سَنَةٍ ثَلَاَثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَالَ [قتَادَةَ] (^٥) لإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةَ خَلَتْ مِن شَوَّال. وقال عِكْرِمة: يَوْمُ السَّبْتُ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّال، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قُُتَلَ مَنْ قَتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ يُوْمَ بَدْر، وسَلمَت الْعِيرُُ بِمَا فِيهَا مِنْ التِّجَارَةِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي سُفِْيَانِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَفََلُهُم (^٦) إلى مَكَّةَ قَالَ أَبْنَاءُ مَنْ قُتَل، وَرُؤَسَاءُ مَنْ بَقِيَ لِأَبِي سُفْيَانَ: ارْصُدْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ، فَأَنْفَقُوهَا فِي ذَلِكَ، وَجَمَعُوا الْجُمُوعَ وَالْأَحَابِيشَ وَأَقْبَلُوا فِي قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاَثَةِ آلَاَفٍ، حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًًا مِنْ أَحَدٍ تَِلْقَاءِ الْمَدِينَةُ، فَصَلَّى رَسُولُُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمََ الْجُمُعَةَ، فَلَمَّا فََرَغَ مِنْهَا صَلى عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ عَمْرو، وَاسْتَشَارُ (^٧) الناس: أَيَخْرِجُ إِلَيْهِمْ أَمْ يَمْكُثُ بِالْمَدِينَةِ؟ فَأَشَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ أَُبِيّ بِالْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بَشِرِّ مَحْبس (^٨) وَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمْ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمَ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ. وَأَشَارَ آخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَبِسَ لِأُمََّتََهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نََدَمَ بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: لَعَلَّنَا اسْتَكْرََهْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ شِئْتَ أَنْ نَمْكُثَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لأمَتَه أنْ يَرْجِعَ حَتى يَحْكُمَ اللهُ لَه".
1 في جـ، ر، أ، و: "أنهم".
2 في أ، و: "المؤمنين سيئة إما".
3 زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
4 في ر: "نعول".
5 زيادة من جـ.
6 في أ، و: "كلهم".
7 في جـ، أ: فاستشار".
8 في جـ، ر، أ: "مجلس".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout