كُلُّ ذَلِكَ مَنْ (^١) قَولهم قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنِ.
فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحََبِْرَانِ قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أسْلِمَا" قَالاَ قَدْ أَسْلَمْنَا. قَالَ: "إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فأسْلِما" قَالاَ بَلِى، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ. قَالَ: "كَذَبْتُمَا، يمْنَعُكُمَا مِنَ الإِسْلامِ دُعَاؤكُما (^٢) لله ولدا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ وأكْلُكُمَا الخِنزيرَ". قَالاَ فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا فَلَمْ يَجِبْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَاخْتِلَاَفُ أَمْرِهِمْ، صَدْرَ سورَةُ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بُضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا.
ثم تَكَلَّم ابْن إِسْحَاقَ عَلَى التَّفْسِيرِ (^٣) إلى أَن قَال: فَلَمّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ مِنَ اللَّهِ، وَالْفَِصْلُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ بِمَا أُمَرَ بِهِ مِنْ مُلَاَعَنَتِهِمْ إِنّْ رَدّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ؛ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، دَعْنَا نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِمَا نُرِيدُ أَنَّ نَفْعَلَ (^٤) فِيمَا دَعَوْتُنَا إِلَيْهِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ، وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ، مَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا مَعْشَرُ النَّصَارِىِّ لَقَدْ عَرََفَْتِمَّ أَنَّ مُحَمَّدًًا لِنَبِيٌّ مُرْسَل، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفََصْل مِنْ خَبََر صَاحِبُكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا لَاعََنَ قَوْمٍ نَبِيًٍّا قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلَا نَبْتَ صََغَيْرُهُمْ، وَإِنَّهُ لِلِاسْتِئْصَالِ (^٥) مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ [قد] (^٦) أَبَيْتُمْ إِلاَّ إِلَفَ دِينِكُمْ وَالْإِقَامَةُ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادَعَُوا الرَّجُلََ وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلَاَدِكُمْ.
فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلَاَ نُلاَعَنُكَ، وَنَتْرُكُكَ عَلَى دِينِكَ، وَنَرْجِعَُ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنْ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يُحْكُمُ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإِنَّكُمْ (^٧) عنْدَنَا رَضًا.
قال مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "ائِْتُونِي الْعَشِيَّة أبعَث مَعَكُمَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ"، فَكَان (^٨) عُمرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةُ قَطّ حُبّي إِيَّاهَا يَوْمَئِذٍ، رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ صَاحِبُهَا، فَرُحْتُ إِلى الظهر مُهَجّرا، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرََ سلَّم، ثُمَّ نَظَر عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَتُ أَتَطَاوَلُ لَهُ لِيَرَانِيَ، فَلَمْ يََزََلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتَّى رَأَى أَبَا عَُبََيدَةَ بْنَ الجَرَِّّاح، فدعاه: "اخْرُجْ معهم، فَاقْضِ بيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ". قال عمر: فَذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (^٩).
وقد روى ابنُ مَرْدُوِيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ (^١٠) قتَادَة، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خُدَيْج: أَنَّ وَفْدَ أَهْلِ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّاَّ أَنَّهُ قَالَ فِي الأَشْرَافِ: كَانُوا اثْنَيْ عَشْرَ. وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَزِيَادَاتٍ أَخَر.
وقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَة بْنِ زُفَر، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: جَاءَ الْعَاقِبُُ وَالسَّيِّدُُ صَاحِبًا نَجْرَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَانِ أَنْ
1 في جـ، ر: "في".
2 في جـ، أ، و: "ادعاؤكما".
3 في جـ، ر، أ، و: "تفسيرها".
4 في جـ، ر: "تريد أن تفعل".
5 في جـ، ر: "الاستئصال".
6 زيادة من أ، و.
7 في جـ، أ: "وإنكم".
8 في جـ: "وكان".
9 السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٥٧٣ - ٥٧٥) ورواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٥١) من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به.
10 في أ: " عن".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout