قَدِمُوا فَجَعَلُوا يَُحََاجّونَ فِي عِيسَى، وَيَزْعُمُونَ فِيهِ مَا يَزْعُمُونَ مِنَ الْبُنُوَّةِ وَالإِلَهِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ هذه السُّورَةُ رَدا عَلَيْهِمْ، كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَار وَغَيْرُهُ.
قَال ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سِيرَتِهِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهِ: وَقََدَمَ (^١) على رسُول الله صلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وَفَدَ نَصَارَى نََجْران، سِتُّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عََشرَ رَجُلا مِنْ أَشْرَافِهِمْ يُؤَوِّلُ إِلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ، وَهُمَ: الْعَاقِبُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ، وَهُوَ الأَيْْهَِم، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَكْرِ بْنُ وَائِلٍ، وَأُوَيْسُ الْحَارِثُ (^٢) وزيد، وَقِيس، وَيَزِيدُ، وَنَبِيُّهُ، وَخُوَيْلِدٌ، وَعَمْرُو، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وََيُحَنَّس.
وأمْرُ هَؤُلاَءُ يُؤَولُ إِلَى ثَلاَثَةٍ مِنْهُمْ، وَهُمَ: الْعَاقِبُ وَكَانَ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذَا رَأْيِهِمْ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَاَلَّذِي لَاَ يَصْدِرُونَ إِلَّاَّ عَنْ رَأْيِهِ، وَالسَّيِّدِ وَكَانَ عَالِمُهُمْ وَصَاحِبُ رَِحِْلهم وَمَُجَتَمَعَهُمْ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ وَكَانَ أَسَْقَُفَهُمْ وَحََبَْرَهم وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مَدَارِسِهِمْ، وَكَانَ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِل، وَلَكِنَّهُ تَنَصَّر، فَعَظَمْتُهُ الرُّومَ وَمُلُوكُهَا وَشَرَفُوهُ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ وََمَوَّلُوه وأخْدَمُوه، لَمَّا يَعْلَمُونَهُ مِنْ صَلَاَبَتِهِ فِي دِينِهِمْ. وَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَأْنُهُ وَصِفَتُهُ بِمَا عَلِمَهُ مِنْ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ جَيِّدًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَهُ جَهْلُهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ لِمَا يَرَى [مِنّ] (^٣) تَعْظِيمُهُ فِيهَا وَوَجَاهَتُهُ عِنْدَ أَهْلِهَا.
قَال ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قََدَِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَه حِينَ صَلَّى الْعَصْرُ، عَلَيْهِمْ ثِيَابَ الْحَبَرََاتِ: جُبَب وَأَرِْدِيَةً، فِي جَمَال رِجَالُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ: يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم: مَا رَأَيْنَا بَعْدَهُمْ وَفَدًا مِثْلَهُمْ. وَقَدْ حَانَتْ صَلَاَتُهُمْ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وسلّم: دََعَُوَهُمْ فَصَلّّوا إِلَى الْمِشْرِقِ.
قَال: فَكَلّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، أَوْ السَّيِّّدُ الْأَيُّهُمِ، وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمِلْكِ، مَعَ اخْتِلَاَفِ أَمْرِهِمْ، يَقُولُونَ: هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ وَلَدُ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثٌ ثَلاَثَةً. تَعَالَى اللَّهُ [عَنْ ذَلِكَ عُلُوًا كَبِيرًا] (^٤) وَكَذَلِك قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ، فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: "هُو اللَّه" بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيَُبَْرِئُ الأَسْقَامَِ، وَيُخْبَرُ بِالْغُيُوبِ، وَيُخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفَخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا (^٥) وَذَلِكَ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلِيَجْعَلْهُ آيَةً لِلنَّاسِ.
وَيَحْتَجُونَ فِي قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يَعْلَمَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ بِشَيْءٍ لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ قَبْلَهُ.
وَيَحْتَجُونَ فِي (^٦) قَولهم بِأَنَّهُ ثَالِثٌ ثَلاَثَةٌ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَعَلْنَا، وَأَمَرَنَا، وَخَلَقْنَا، وَقَضَيْنَا؛ فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًٌا مَا قَالَ إِلَّاَّ فَعَلْتُ وَقَضَيْتُُ وَأُمَرْتُُ وَخَلَقْتُُ؛ وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمََرْيَم وَفِي
1 في ر: "وفد".
2 في جـ، ر: "وأوس بن الحارث".
3 زيادة من جـ، ر، أ، و.
4 زيادة من جـ، أ.
5 في جـ، ر، أ، و: "طائرا".
6 في جـ، ر، أ، و: "على".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout