هَذِهِ الْآيَةُ فَبَكَى. قَالَ: أَيَّْة آيَة؟ قُلْت: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) قَال ابْنُ عَبَّاس، إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ أُنْزِلَتْ (^١) غَمَّت أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَمًّا شَدِيدًا، وَغَاظَتُهُمْ غَيْظًُا شَدِيدًا، يَعْنِي، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْنَا، إِنَّ كُنَّا نُؤَاخَذُ بِمَا تَكَلَّمْنَا وَبِمَا نَعْمَلُ، فَأَمَّا قُلُوبُنَا فَلَيْسَتْ بِأَيْدِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صَلى اللهُ عليه وسلم: "قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا". قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَالَ: فَنَسَخْتُهَا هَذِهِ الآيَةُ: ﴿آمَِنَ الرَّّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتََجُوز لهُمْ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَأَخَذُوا بِالْأَعْمَالِ (^٢).
طريق أُخرى عنه: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مََرْجَانَةَ، سَمِعَهُ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) الآيَة. فَقَال: وَاَللَّهُ لَئِنَّ وَاخَذِنَا اللَّهُ بِهَذَا لِنَهْلَكُنَّ، ثُمَّ بَكَىَ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى سُمِعَ نُشَيِّجَهُ. قَالَ ابْنُ مََرْجَانَّةَ: فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَمَا فَعَلَ حِينَ تَلَاَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. لَِعَمْرِي لقَد وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا حِينَ أُنْزِلَتْ مِثْلَ مَا وُجِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا: ﴿لا يَُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخِر السُّورَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَسْوَسَةُ مِمَّا لَاَ طَاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا، وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ قَضَىَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّ لِلنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (^٣).
طريق أُخرى: قَالَ ابْنُ جَرِيرِ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ أَبَاهُ قَرَأً: (وَإِِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) فَدَمِعْتُ عَيْنَاهُ، فَبَلَغَ صَنِيعُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ صَنَعَ كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ، فَنُسْخْتُهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿لا يَُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ (^٤).
فهذه طرق صَحِيحَة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَال الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مََرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَحْسَبَُهُ ابْنُ عُمَرَ - (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) قال: نسَخْتُهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا (^٥).
وهكذا رُوي عن علِي، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَعْبُ الأَحْبَارِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَْعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُِرَِظِي، وعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَِير، وَقَتَادَةُ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِاَلَّتِي بَعْدَهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ السِّتَّةِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تُكُلَِّّم أَوْ
1 في جـ: "نزلت".
2 المسند (١/ ٣٣٢).
3 تفسير الطبري (٦/ ١٠٦).
4 تفسير الطبري (٦/ ١٠٨).
5 صحيح البخاري برقم (٤٥٤٦).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout