وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحِكْمَةَ -كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ -لَا تَخْتَصُّ بِالنُّبُوَّةِ، بَلْ هِيَ أَعَمُّ مِنْهَا، وَأَعْلَاهَا النُّبُوَّةَ، وَالرِّسَالَةُ أَخْصَ، وَلَكِنْ لِأَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ حَظٌّ مِنْ الْخَيْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّبََعِ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "مِنْ حِفْظِ الْقُرْآنِ فَقَدْ أَدَّْرَِجََت النُّبُوَّةُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ (^١) غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ" (^٢). رواه (^٣) وَكِيع بنُ الْجَرَّاحِ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ (^٤) عَن رَجُل لَمْ يُسَمِّهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (^٥) وقَوله.
وقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وََكِِيعٌ وَيَزِيدُ (^٦) قَالا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي خَالِدٍ -عَنْ قَيْسٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ -عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لا حَسَدَ إِلَّاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطه عَلَى هَِلَكته فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةٌ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيَعْلِّمُهَا" (^٧).
وهكذا رواه البُخارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَةَ -مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةً -عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ (^٨).
وقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ) أَيِّ: وَمَا يَنْتَفِعُ بِالْمَوْعِظَةِ وَالتَّذْكَارِ إِلَّاَّ مَنْ لَهُ لَبٌّ وَعَقْلَ يَعِي بِهِ الْخِطَابُ وَمَعْنَى الْكَلَاَمِ.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾
يخْبَرُ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ الْعَامِلُونَ مِنَ الْخَيْرَاتِ مِنْ النَّفَقَاتِ وَالْمَنْذُورَاتِ وَتََضََمِنَ ذَلِكَ مُجَازَاتُهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ لِلْعَامِلِينَ لِذَلِكَ ابْتِغَاءِ وَجْهِهِ وَرَجَاءِ مَوْعُودِهِ. وَتَوَعَّدُ مَنْ لَا يَعْمَلُ بِطَاعَتِهِ، بَلْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذِبَ خَبَرُهُ وَعَبْدٍ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار) أيِّ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَنْقُذُونَهُمْ (^٩) مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَنَقَمَتِهُ.
وَقَوْله: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) أَيِّ: إِنَّ أَظْهَرْتُمُوهَا فَنَعَمْ شَيْءٌ هِي.
وقَوْله: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم) فِيهِ دَلاَلَةُ عَلِى أَنَّ إِسْرَارَ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ مِنْ إظْهَارِهَا؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ، إِلَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْإِظْهَارِ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً، مِنْ اقْتِدَاءِ النَّاسِ بِهِ، فَيَكُونُ أَفْضَلُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْمُِسَِّرِ بِالْقُرْآنِ كَالْمُِسِِّرِّ بِالصَّدَقَةِ" (^١٠).
والأصل أن الإِسرار أَفْضل، لِهَذِهِ الآيَةِ، وَلَمَّا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
1 في جـ، أ، و: "بين جنبيه".
2 وفي إسناده إسماعيل بن رافع المدني ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وقال ابن عدي: أحاديثه كلها مما فيه نظر.
3 في جـ: "ورواه".
4 في أ، و: "عن إسماعيل بن رافع أبي رافع".
5 في أ، و: "بن عمرو".
6 في أ: "وزيد".
7 المسند (١/ ٤٣٢).
8 صحيح البخاري برقم (٧٣) وصحيح مسلم برقم (٨١٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٨٤٠) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٠٨).
9 في أ، و: "ينقذهم".
10 رواه أحمد في المسند (٤/ ١٥١) وأبو داود في السنن برقم (١٣٣٣) والترمذي في السنن برقم (٢٩١٩) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout