وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالْعُرْوَةِ الْوَثْقَى الَّتِي لَا تَنْفَصِمُ فَهِيَ فِي نَفْسِهَا مُحْكَمَةٌ مُبْرَّمَةٌ قَوِيَّةٌ وَرَبْطُهَا قَوِيٌّ شَدِيدٍ وَلِهَذَا قَالَ: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
قال مجاهد: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) يعَني: الإِيْمَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْإِسْلَامُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ: يَعْنِي لاَ إِلَهَ إِلَّاَّ اللَّهَ. وَعَنْ أَنَسٍ (^١) بن مالِك: (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى): القُرْآن. وعَنْ سَالِمِ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: هُوَ الْحَبُّ فِي اللَّهِ وَالْبَغْضِ فِي اللَّهِ.
وَكُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ وَلَاَ تُنَافِي بَيْنَهَا.
وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي قَوْلِهِ: (لا انْفِصَامَ لَهَا) أي: لا انْقِطَاعُ لَهَا دُونَ دُخُولِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا) ثم قرأ: ﴿إِِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وقال الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ، فَدَخَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْجَزَ فِيهِمَا فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَمَّا خَرَجَ اتَّبَعَتْهُ حَتَّى دَخَلَ مَنْزِلُهُ فَدَخَلَتْ مَعَهُ فَحَدَّثَتُهُ فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ (^٢) قُلْتُ له: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا دَخَلْتُ قَبْلَ الْمَسْجِدِ قَالُوا كَذَا وَكَذَا. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَاَ يَعْلَمُ وَسَأَحْدِّثُكَ لِمَ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةِ خَضْرَاءَ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَذَكَرَ مِنْ خُضْرَتِهَا وَسَعَتِهَا-وَسَطَهَا عُمُودٌ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةً، فَقِيلَ لِي: اصْعُدْ عَلَيْهِ فَقُلْت: لَاَ أَسْتَطِيعُ. فَجَاءَنِي مَِنْصَف -قَال ابْنُ عَوْن: هُوَ الْوَصِيفُ (^٣) -فرفع ثِيَابِي مَنْ خَلْفِي، فَقَالَ: اصْعِدْ. فَصَعَدْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَالَ: اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ. فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدَيْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: "أَمَّا الرَّوْضَةُ فَرُوْضَةُ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الْعُمُودُ فَعُمُودُ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، أَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ" (^٤).
قال: وهو عبد الله بْنُ سَلاَمٍ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ (^٥) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِهِ (^٦).
طريق أُخرى وَسِيَاقٌ آخَرُ: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى وَعَفَّانُ قَالاَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ خَرْشَةَ بْنِ الْحَُرِِّّ قَال: قَدِمْتُ الْمَدِينَةُ فَجَلَسْتُ إِلَى مَشِيخَةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فَجَاءَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًَا لَهُ فَقَالَ الْقَوْمُ: مِنْ سَرِّهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيُنْظُرْ إِلَى هَذَا. فَقَامَ خَلْفَ سَارِيَةً فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: الْجَنَّةُ لِلَّهِ يَُدَخُلَهَا (^٧) مَنْ يَشَاءُ وَإِنِّي رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَا، رَأَيْتَ كَأَنَّ رَجُلًا أَتَانِي فَقَالَ: انْطَلِقَ. فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَلَكَ بِي مَنْهَجًٍا عَظِيمًٌا فَعَرِضْتُ لِي طَرِيقٌ عَنْ يَسَارِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْلِكَهَا. فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتُ مِنْ أَهْلِهَا. ثُمَّ عَرِضَتْ لِي طَرِيقٌ عَنْ
1 في أ: "وعن يونس".
2 في جـ: "فلما أنس".
3 في أ: "هو الوصف".
4 المسند (٥/ ٤٥٢).
5 صحيح البخاري برقم (٣٨١٣) وصحيح مسلم برقم (٢٤٨٤).
6 صحيح البخاري برقم (٧٠١٠).
7 في جـ: "سيدخلها".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout