عَظِيمَةٌ وَمَحَبَّةٌ شَدِيدَةً، حَيْثُ جَعَلَ الْوَحْيَ مُتَتَابِعًا عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْطَعْهُ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا إنَّمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مُفَرِّقًا لِيَكُونَ ذَلِكَ فِي أَبْلَغِ الْعِنَايَةِ وَالْإِكْرَامِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبَيَّنٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ (^١) عن الزُّهرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدٌ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا (^٢).
هذا الْحَدِيثُ قِطْعَةَ مِنْ حَدِيثِ سَيَأْتِي قَرِيبًا وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ وَمَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بُلُغَةً قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٍ خُلَاصَةِ الْعَرَبِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لاَ يُمْلَى فِي مَصَاحِفِنَا هَذِهِ إِلَّاَّ غُلْمَانُ قُرَيْشٍ أَوْ غُلْمَانِ ثَقِيفٌ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ (^٣). وقال أَيْضا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا هَوْذَةُ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَكْتُبَ الْإِمَامُ أَقْعَدُ لَهُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي اللُّغَةِ فَاكْتُبُوهَا بُلُغَةً مُضِرًّ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بُلُغَةِ رَجُلٍ مِنْ مُضِرٍّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (^٤) وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُِرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ الآية [فصلت: ٤٤]، إلى غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
ثُم ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدِيثٌ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي سَأَلَ عَمَّنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُتَمَطِّخٌ بِطِيبٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَقَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ثُمَّ فَجَأَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَيْ: تَعَالً، فَجَاءَ يَعْلَى، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ مُحَمَرُ الْوَجْهِ يُغُطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سَرَىَ عَنْهُ، فَقَالَ: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ " فَذَكَرَ أَمْرَهُ بِنَزْعِ الْجُبَّةِ وَغَسْلِ الطِّيِّبِ.
وَهَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ (^٥) مَنْ طُرُقَ عَدِيدَةَ (^٦) والكلامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَلَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَلَا يَكَادَ، وَلَوْ ذَكِرَ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا لَكَانَ أَظْهَرُ وَأَبْيَنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
1 في جـ: "سفيان".
2 صحيح البخاري برقم (٤٩٨٤).
3 المصاحف (ص ١٧).
4 المصاحف (ص ١٧).
5 ط، جـ: "الجماعة".
6 صحيح البخاري برقم (٤٩٨٥)، وبرقم (١٨٤٧، ١٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (١١٨٠) وسنن أبي داود برقم (١٨١٩، ١٨٢٠) وسنن الترمذي برقم (٨٣٦) وسنن النسائي (٥/ ١٣٠).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout