قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَّتُكَ مُخْتَلِفَةً بَعْدَكَ". قَالَ: "فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيْنَ الْمََخَْرَج يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: فَقَالَ: "كتَابُ اللَّهُ بِهِ يَقْصِم الله كلَّ جَبَّار، مَنْ اعْتَصَمَ بِهِ نَجًّا، وَمَنْ تَرَكَهُ هَلَكَ، مَرَّتَيْنِ، قَوْلُ فََصْل وَلَيْسَ بِالْهَزْلِ، لَاَ تَخْلُقُهُ الْأَلْسَنُ، وَلَاَ تُفْنَى عَجَائِبُهُ، فِيهِ نَبَأٌ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَفَصْلَ مَا بَيْنَكُمْ، وَخَبَرُ مَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ" هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (^١). وقال أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزِّيَاتُ، عَنْ أَبِي الْمُخْتَارِ الطَّائِيِّ، عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الأَعْوَرِ، عَنِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ، قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فَدَخَلَتُ عَلَى عَلِيّ فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تَرَى النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ: أَوْ قَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَّا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةً" فَقُلْتُ: مَا الْمََخَْرِج مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "كتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحَُكْم مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَِزِْل، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارِ قَصَمه اللّه، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينَ، وَهُوَ الذَّكَرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَاَ تََلْتَبِس بِهِ الأَلْسِنَةَ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءَ، وَلَاَ يََخْلَق عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْْ سَمِعْتُهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١، ٢]، من قَال به صَدق، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أَجِِر، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَل، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدًى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعُورَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غُرِيبٍ لَاَ نَعْرِفُهُ إِلَّاَّ مِنْ حَدِيثِ حَمْزَةَ الزِّيَاتُ، وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ مَقَالٌ (^٢).
قلت: لم يَنْفَرِدُ بِرِوَايَتِهِ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزِّيَاتِ، بَلْ قَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ، فَبَرِئَ حَمْزَةُ مِنْ عُهْدَتِهِ، عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ الْحَدِيثَ إِلَّا أَنَّهُ إمَامٌ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْحَدِيثَ، مَشْهُورٌ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ، بَلْ قَدْ كَذَّبَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ جِهَةِ رَأْيِهِ وَاعْتِقَادِهِ، أَمَّا إِنَّهُ تَعَمَّدُ الْكَذِبَ فِي الْحَدِيثِ فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقُصَارَى هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ وََهَِم بَعْضُهُمْ فِي رَفْعِهِ، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ لَهُ شَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ الإِمَامُ الْعِلْمُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِهِ فَضَائِلُ الْقُرْآنِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَقْظَانِ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّوْرِيُّ أَوْ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَجْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدِبَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدَبَتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ النُّورُ الْمُبَيِّنُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، عَِصْمَة لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ، لَا يُعَوِّجُ فَيَقُومُ، لَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبُ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يََخْلَق عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، فَاتْلُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُكُمْ عَلَى تِلَاوَتِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، أَمَّا إِنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ الْم حَرْفَ، وَلَكِنْ أَلْفَ عَشْرَ، وَلَامَ عَشْرٍ، وَمِيمَ عَشَرَ" (^٣). وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
1 المسند (١/ ٩١).
2 سنن الترمذي برقم (٢٩٠٦).
3 فضائل القرآن (ص ٢١) ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥) من طريق الهجري به.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout