وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السُّكُونِيُّ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلاةُ الْخَوْفِ. رَكْعَةٌ وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: "باب الصَّلاَةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ" وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأُ الْفَتْحَ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلُّوْا إيمَاءَ كُلِّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالَ أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلُّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لَا يُجْزِئُهُمْ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُونَهَا حَتَّى يَأْمَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ -وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: حَضَرَتْ مُنَاهَضَةً حِصْنٍ تَسَْتََرٍ عِنْدَ إضَاءَةِ الْفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نَصِلْ إلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفَتَحَ لَنَا. قَالَ أَنَسٌ: وَمَا يُسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيّ (^١) ثُم اسْتَشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ تَأْخِيرِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، صَلَاةُ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِعُذْرِ الْمُحَارَبَةِ إِلَى (^٢) غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَعْدَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ لِمَّا جَهِزَهُمْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: "لا يُصَلِّينَ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إِلَّاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاَةَ فِي الطَّرِيقِ فَصَلُّوْا وَقَالُوا: لَمْ يَرِدْ مِنّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسلّم، إِلاَّ تَعْجِيلَ السِّيْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكْتِهُ فَلَمْ يَصِلْ إِلَى أَنْ غَرَبَتَ الشَّمْسُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَعْنِفْ وَاحِدًًا (^٣) مِن الْفَرِيقِيْنِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْقَوْلِ وَالْجُمْهُورِ عَلَى خِلَافِهِ وَيَعُولُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَوَرَدَتْ (^٤) بها الأَحَادِيثُ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَإِنَّمَا شَرِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًًا بِهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فَيُجِيبُونَ بِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُنَافِي جَوَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَالَ نَادِرٌ خَاصٌّ فَيَجُوزُ فِيهِ مِثْلُ مَا قُلْنَا بِدَلِيلِ صَنِيعِ الصَّحَابَةِ زَمَنَ عُمَرَ فِي فَتْحِ تَسْتُّرِ وَقَدْ اُشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) أيِّ: أَقِيمُوا صَلاَتُكُمْ كَمَا أَمَرْتُمْ فَأَتَمُّوا (^٥) ركُوعهَا وَسُجُودُهَا وَقِيَامُهَا وَقُعُودُهَا وَخُشُوعُهَا وَهُجُودُهَا (كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) أَيِّ: مِثْلُ مَا أَنْعَمْ عَلَيْكُمْ وَهَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ وَعِلَّمُكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَابَلُوهُ بِالشُّكْرِ وَالذِّكَرِ، كَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ: ﴿فَإِِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النِّساء: ١٠٣] وسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَصِفَاتِهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَإِِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢].
1 صحيح البخاري (٣/ ٤٣٤) "فتح".
2 في جـ، و: "إلى بعد".
3 في جـ: "أحدا".
4 في جـ: "وورد".
5 في جـ: "وأتموا".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout