قَرَأَ ﴿ُوَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا﴾ [الإِسراء: ١٠٦]. هذا إِسنادُ صَحِيحٌ (^١). أَمَّا إقَامَتُهُ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا فَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا إقَامَتُهُ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَالْمَشْهُورُ ثَلَاَثَ عَشَرَةَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَوْحَى إِلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَتُوُفَّى وَهُوَ ابْنُ ثَلَاَثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَذَفَ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ اخْتِصَارًا فِي الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَثِيرًا مَا يَحْذَفُونَ الْكُسُورَ فِي كَلَامِهِمْ، أَوْ أَنَّهُمَا إنَّمَا اُعْتُبَرَا قَرْنَ جِبْرِيلً، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَإِنَّهُ (^٢) قَد رَوى الإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ قَرَنَ بِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِيكَائِيلُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، يُلْقَى إِلَيْهِ الْكَلِمَةَ وَالشَّيْءَ، ثُمَّ قَرَنَ بِهِ جِبْرِيلُ.
وَوَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ بِفَضَائِلِ الْقُرْآنِ: أَنَّهُ اُبْتُدِئَ بِنُزُولِهِ فِي مَكَانِ شَرِيفٍ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْحَرَامُ، كَمَا أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنٍ شَرِيفٍ وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ شَرَفُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ؛ وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ إكْثَارَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ اُبْتُدِئَ نُزُولُهُ فِيهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ جِبْرِيلُ يُعَارِضُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفَّى فِيهَا عَارِضُهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا وَتَثْبِيتًَا.
وَأَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ مََكِّي وَمِنْهُ مَدَنِي، فَالْمَكِّيُّ: مَا نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَالْمَدَنِيِّ: مَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ أَيِّ الْبِلَادِ كَانَ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ عَرَفَةَ. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى سُورٍ أَنَّهَا مِنْ الْمَكِّيِّ وَأَخَّرَ أَنَّهَا مِنْ الْمَدَنِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي أُخْرَ، وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ ضَبَطَ ذَلِكَ بِضَوَابِطٍ فِي تَقْيِيدِهَا عُسْرَ وَنَظَرٌ، وَلَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ سُورَةٍ فِي أَوَّلِهَا شَيْءٌ مِنْ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَهِيَ مَكِيَّةٌ إلَّا الْبَقَرَةُ وَآلِ عِمْرَانَ، كَمَا أَنَّ كُلَّ سُورَةٍ فِيهَا: ﴿يَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَهِي مَدَنِيَةُ وَمَا فِيهَا: ﴿َيَا أََيُّهَا النَّاسُ﴾ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا وَمِنْ هَذَا، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ مَكِّي. وَقَدْ يَكُونُ مَدْنِيًّا كَمَا فِي الْبَقَرَةِ ﴿َيَا أََيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٣) [البقِرة: ٢١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الْبِقرة: ١٦٨].
قال أبو عبيد: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ الْأَعْمَشُ يُحَدِّثُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلْقَمَةَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ: ﴿َيَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإِنَّهُ أَنْزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا كَانَ ﴿ِيَا أََيُّهَا النَّاسُ﴾ فإِنه أنزَل بِمَكَّةَ (^٤). ثم قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلَِِّيِّْحِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَِهِْرَانِ، قَالَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿َيَا أََيُّهَا النَّاسُ﴾ و﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ فَإِنَّهُ مَكِّي، وَمَا كَانَ: ﴿ِيَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإِنَّهُ مَدَنِي (^٥).
ومنهم مَنْ يَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ السُّورِ نَزَلَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَمَرَّةً بِمَكَّةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَثْنِي مِنَ الْمَكِّيِّ آيَاتٌ يَدَّعِي أَنَّهَا مِنْ الْمَدَنِيِّ، كَمَا فِي سُورَةِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بِنُ
1 فضائل القرآن (ص ٢٢٢) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢) من طريق يزيد بن هارون به، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
2 في ط: "فكأنه".
3 في م: "اتقوا" وهو خطأ.
4 فضائل القرآن (ص ٢٢٢).
5 فضائل القرآن (ص ٢٢٢).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout