﴿وَأََرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]. فلي، ست هاهنا للشَّكِّ قَطْعًا، وَإِنَّمَا هِيَ لِتَحْقِيقِ الْخَبَرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ أَوْ أَزَْيََدٍ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَرْشَدَ إِلَى دَُعَِائِهِ بَعْدَ كَثْرَةِ ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ، وَذََمَّ مَنْ لَاَ يَسْأَلُهُ إِلَّاَّ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ، وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ أُخْرَاهُ، فَقَالَ: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) أَيِّ: مِنْ نَصِيب ولاَ حِظّ. وَتَضَمََّّن هَذَا الذِّمّّ التَّنْفِيرُ عَنِ التَّشَبُّهِ (^١) بِمَنْ هُوَ كَذَلِكَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الأَعْرَابِ يَجِيئُونَ إِلَى الْمُوْقِفِ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عَامٌّ غََيْثُ وَعَامَ خَصَْبٍ وَعَامٍّ وِلَاَدٍ حَسَنَ. لَاَ يَذْكُرُونَ (^٢) مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِم: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (^٣) وكَانَ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ آخَرُونَ [مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] (^٤) فَيَقُولُون: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فأَنَزل الله: (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) وَلهَذَا مَدْحُ مَنْ يَسْأَلُهُ لِلدُّنْيَا وَالأُخْرَى، فَقَالَ: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فَجَمَعْتُ هَذِهِ الدَّعْوَةُُ كُلَّ خَيْرٌ فِي الدُّنْيَا، وَصَرََفَتْ كُلِّّ شَرٍّ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ فِي الدُّنْيَا تُشْمَلُُ كُلّّ مَطْلُوبٍ دُنْيوِي، مِنْ عَافِيَةَ، وَدَارَ رَحْبَةً، وَزَوْجَةٌ حَسَنَةً، وَرِزْقٌ وَاسِعٌ، وَعِلِمَ نَافِعٌ، وَعَمِلَ صَالِحٌ، وَمُرَكِبٌ هَنِيْءً، وَثَنَاءُ جَمِيلً، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عِبَارَاتُُ الْمُفَسِّرِينَ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهَا كُلُّهَا مُنْدَرِجَةً فِي الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا الْحَسَنَةُ فِي الْآخِرَةِ فَأَعْلَى ذَلِكَ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَتَوَابِعُهُ مِنَ الْأَمْنِ (^٥) مِن الْفَزَعِ الأَكْبَرِ فِي الْعََرَِصات، وَتَيْسِيرُ الْحِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ الصَّالِحَةِ، وَأَمَّا النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِيرُ أَسْبَابِهِ فِي الدُّنْيَا، مِنْ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَالْآثَامِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ وَالْحَرَامِ (^٦).
وقال القاسم بنُ (^٧) عبد الرَّحمَنِ: مَنْ أُعْطِيَ قَلْبًا شَاكِرًٌا، وَلِسَانًِا ذَاكِرًَا، وَجَسَدًَا صَابِرًَا، فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَوَقِيَ عَذَابُ النَّارِ.
وَلِهَذَا وَرَدَّتْ السُّنَّةُ بِالتَّرْغِيبِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ. فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "اللَّهم ربَّنا، آتنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنًّا عَذَابُ النَّارِ" (^٨).
وقال الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ (^٩) قَال: كَانَ أَكْثَرُ دَعْوَةُ يَدْعُو بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [يَقُولُ] (^١٠): "اللهم ربَّنا، آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذَابُ النَّارِ" (^١١).
1 في أ: "عن التشبيه".
2 في جـ: "لا يذرون".
3 في و: "فمن الناس من" وهو الصواب.
4 زيادة من أ، و.
5 في جـ: "وتوابع ذلك الأمن".
6 في جـ: "في الحرام"، وفي أ: "واجتناب الحرام".
7 في أ، و: "قال القاسم أبو".
8 صحيح البخاري برقم (٤٥٢٢).
9 في و: "حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سأل قتادة أنسا: أي دعوة كان أكثر يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم؟ ".
10 زيادة من و.
11 المسند (٣/ ١٠١).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout