وَعَلَى أَهْلِ الشَّامِ رَجُلٌ -يُرِيدُ فََضَالة بْن عُبَيد- فَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ صَف عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ، فَصَفَفْنَا لَهُمْ فَحََمََل رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ: ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا فَصَاحَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَتَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ التَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرُ الْأَنْصَارِ، وَإِنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ دِيْنَهُ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: لَوْ أَقْبَلْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَاهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَِّّبِيعِي قَال: قَالَ رَجُل لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: إِنْ حَمَلْتَُ عَلَى الْعَدُوِّّ وَحْدِي فَقَتَلُونِي أَكُنْتُ أَلْقَيْتُُ بِيَدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ قَالَ: لاَ قَالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: ﴿فَِقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾ [النِّساء: ٨٤]، إنما هَذَا فِي النَّفَقَةِ. رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ. وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرُجَاهُ (^١). ورواه الثَّورِيُّ، وُقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ -فَذَكَرَهُ. وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ِلا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾ وَلَكِنَّ التَّهْلِكَةَ أَنَّ يَُذَّْنِبَ الرَّجلُ الذِّنبَ، فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَلَاَ يَتَوبَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثُ -حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدٍ يَغُوثُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُمْ حَاصَرُوا دِمَشْقَ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ أَزَدِ شُنُوءَةَ، فَأَسْرِعُ إِلَى الْعَدُوِّ وَحْدَهُ لِيَسْتَقْبِلَ، فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَرَفَعُوا حَدِيثَهُ إِلَى عََمِْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَمْرٌو فََرَدّه، وقالَ عمْرو: قَالَ اللَّه: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)
وقال عطاء بْنُ السَّائِبِ (^٢) عَن سَعِيدِ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ليس (^٣) ذلك في الْقِتَال، إِنَّمَا هُوَ فِي النَّفَقَةِ أَنْ تُمْسكَ بِيَدِكَ عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَلَا تَلْقُ بِيَدِكَ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ أَبِي جَُبََيْرة (^٤) قال: كَانتِ الأَنْصَّارُ يَتَصَدَّقُونَ وَيُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَأَصَابَتْهُمْ سَنَة، فَأَمْسِكُوا عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)
وقال الحَسن البصرِيُّ: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال: هو البُخل.
وقال سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي قَوْلِهِ: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) أن يَذنَبَ الرَّجُلُ الذَّنْبُ، فَيَقُولُ: لاَ يَغْفِرُ لِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) رواه ابْنُ مَرْدويه.
وقال ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرَُوِيَ عَنْ عََبِيْدَِةِ السُّلْمَانِيِّ، وَالْحَسَنَ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَأَبِي قِلاَبَةَ -نَحْوُ ذَلِكَ. يَعْنِي: نَحْوَُ قَوْلُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: إِنَّهَا فِي الرَّجُلِ يُذْنَبُ الذَّنْبَ فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُ، فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، أَيْ: يَسْتَكْثِرُ مِنَ الذُّنُوبِ فَيَهْلِكَ. وَلِهَذَا رََوََى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
1 المستدرك (٢/ ٢٧٥).
2 في أ: "عطاء بن أبي السائب".
3 في جـ: "وليس".
4 في أ: "بن أبي صبرة".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout