حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ (^١)، حَدَّثَنِي سَرُورُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَوْلُهُ: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) فقال: نَعَم، الْوَصِيَّةُ حقًّ، عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُوصِيَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرَ الْمَُنِكَرِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ: أَنْ يُوصِيَ لِأَقْرَبِيْهِ وََصِيَّةً لا تَجْحِفُ بِوَرَثَتِهِ، مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَاَ تَقْتِيرَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا وَلَاَ يَرِثُنِي إِلَّاَّ ابْنَةَ لِي، أَفَأُوصِي بِثُلُثَيْ مالِي؟ قَال: "لا" قَال: فبالشَّطْر؟ قال: "لا" قَال: فالثُّلُثُ (^٢)؟ قال: "الثلث، والثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذُرَّ وَرَثَتُكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنَّ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ".
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غََضُوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (^٣).
وروى الإِمامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ ذَيَالِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ، سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ بْنَ حُذَيْمٍ (^٤) بن حَنِيفَةَ: أَنَّ جَدَّهُ حَنِيفَةَ أَوْصَى لِيَتِيمَ فِي حِجْرِهِ بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ، فَشَقَّّ ذَلِكَ عَلَى بَنِيهِ، فَارْتَفَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فَقَالَ حَنِيفَةُ: إِنِّي أَوْصَيْتُ لِيَتِيمَ لِي بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ، كُنَّا نُسَمِّيهَا الْمُطَيبَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، "لا لاَ لاَ. الصَّدَقَةَ: خَمْسً، وَإِلَّاَّ فَعََشْر، وَإِلَّاَّ فَخَمْسَ عَشْرَةً، وَإِلَّاَّ فَعِشْرُونَ، وَإِلَّا فَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَإِلَّا فَثَلَاَثُونَ، وَإِلَّا فَخَمْسٌ وَثَلَاَثُونَ، فَإِنْ أَكْثَرَتَ فَأَرْبَعُونَ".
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ (^٥).
وقوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) يقول تَعَالَى: فَمَنْ بَدَلَ الْوَصِيَّةِ وَحَرَّفَهَا، فَغَيْرُ حُكْمِهَا وَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ -وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْكِتْمَانِ لَهَا بِطَرِيقِ الْأُولَى - (فَإِِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) قال ابْن عَبَّاس وَغَيْرُ وَاحِدٌ: وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ الْمَيِّتِ عَلَى اللَّهِ، وَتَعَلََّّقِ الْإِثْمِ بِاَلَّذِينَ بَدَلُوا ذَلِكَ (إِِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: قَدِ اطَّلَعَ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتَ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَلِكَ، وَبِمَا بَدَلَهُ الْمُوصَى إِلَيْهِمَ.
﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾
وقوله: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِِثْمًا) قَال ابْنُ عَبَّاس، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ: الجَِنَف: الخطأ. وَهَذَا يَشْمَلُ أَنْوَاعَ الْخَطَأِ كُلِّهَا، بِأَنْ زَادَ وَارِثًا بِوَاسِطَةٍ أَوْ وَسِيلَةً، كَمَا إذَا أَوْصَى بِبَيْعِهِ الشَّيْءََ الْفُُلانِيّ مُحَابَاةً، أَوْ أَوْصَى لِابْنِ ابْنَتِهِ لِيَزِيدَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِلِ، إِمَّا مُخْطِئًًا غَيْرَ عَامِدٍ، بَلْ بِطَبْعِهِ وَقُوَّةُ شَفَقَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَبَصُّرٍ، أَوْ مُتَعَمِّدًٍا آثِمًَا فِي ذَلِكَ، فَلِلْوَصِيِّّ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ -أَنْ يَصْلِحَ الْقَضِيَّةَ (^٦) وَيُعَدَّلَ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ. وَيَعْدِلُ عَنْ الَّذِي أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ إِلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ وَأَشْبَهَ الْأُمُورُ بِهِ (^٧) جَمْعًا بَيْنَ مَقْصُودِ الْمُوصِي
1 في أ، و: "بن بشار".
2 في جـ: "فبالثلث".
3 صحيح البخاري برقم (٢٧٤٣).
4 في أ: "جديم"، وفي و: "جذيم".
5 المسند (٥/ ٦٧).
6 في أ: "القصة".
7 في جـ: "المأمور به".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout