قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أَيُّهَا النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يُقْبَلُ إِلَّاَّ طَيبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أُمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أََيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [الْمُؤْمِنُون: ٥١] وقَال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثم ذَكَرَ الرَّجُلُ يَطِيلُُ السَّفَرُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، يَمَدُِّّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبّ، وَمُطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرِبَهُ حَرَامٌ، وَمُلْبِسُهُ حَرَامٌ، وَغَُذِي بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ".
وروَاه مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ [فَضَيل] (^١) بن مَرْزُوق (^٢).
ولما امْتِنِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الْأَكْلِ مِنْ طِيبِهِ، ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّاَّ الْمَيْتَةَ، وَهِيَ الَّتِي تَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهَا مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَّةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُنْخَنِقَةً أَوْ مَوْقُوذَةً أَوْ مَُتَرُدًِّيَةً أَوْ نَطِيحَةً أَوْ قَدْ عَدَا عَلَيْهَا السَّبْعُ.
وَقَدْ خَصَّصَ الْجُمْهُورُ مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةُ الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائِدة: ٩٦] على ما سَيَأْتِي، وَحَدِيثُ الْعَنْبَرِ فِي الصَّحِيحِ وَفِي الْمُسْنَدِ وَالْمُوَطَّأِ وَالسُّنَنِ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْبَحْرِ: "هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتَهُ" وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًٌا: "أَحِلُّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ" وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ (^٣).
ولبن الْمَيْتَةَ وَبَيْضُهَا الْمُتَّصِلُ بِهَا نَجِسٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ: هُوَ طَاهِرٌ إِلَّا أَنَّهُ يَنَجُسُ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَكَذَلِكَ أَنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ فِيهَا الْخِلَافُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَقَدْ أَوْرَدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَكْلَ الصَّحَابَةِ مِنْ جَبْنِ الْمَجُوسِ، فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ هَاهُنَا: يُخَالِطُ اللَّبَنَ مِنْهَا يَسِيرٌ، وَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ إذَا خَالَطَ الْكَثِيرَ مِنْ الْمَائِعِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَيْفِ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِي، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ، فَقَالَ: "الْحَلالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ" (^٤).
وكَذلك حَرم عَلَيْهِمْ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ، سَوَاءٌ ذَُكِّي أَوْ مَاتَ حَتْف أَنْفِهُ، وَيَدْخُُلُ شَحْمه فِي حُكْمِ لَحْمِهِ (^٥) إما تَغْلِيبًٌا أَوْ أَنَّ اللَّحْمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ، أَوْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى رَأْيٍ. وَ[كَذِلِكَ] (^٦) حَرَّم عليهم ما أهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ مَا ذَبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِهِ (^٧) تَعَالَى مِنَ الأَنْصَابِ وَالأَنْدَادِ وَالأَزْلَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ
1 زيادة من أ.
2 المسند (٢/ ٣٢٨) وصحيح مسلم برقم (١٠١٥) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٩).
3 وسيأتي تخريج الحديثين عند تفسير أول سورة المائدة.
4 سنن ابن ماجة برقم (٣٣٦٧) ورواه الترمذي في السنن برقم (١٧٢٦) من طريق سيف بن هارون به وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه". وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفا، قال البخاري: "وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد، عن عاصم ذاهب الحديث".
5 في جـ: "ويدخل لحمه في حكم شحمه".
6 زيادة من جـ، أ، و.
7 في جـ: "غير اسم الله".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout