بِالْبَيْتِ، عَادَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا، وَهُوَ يَقُولُ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ثم قال: "أَبْدَأ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ". وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: "ابْدُؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" (^١).
وقال الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ حََبَِيبَةِ بِنْتِ أَبِي تِجْرَاةَ (^٢) قالت: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: "اسْعَِوا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيُّ" (^٣).
ثم رواه الإِمامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مََعْمَر، عَنْ وَاصِلٍ -مَوْلِى أَبِي عَُيََيِنَةِ -عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ (^٤) عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، أَنَّ امْرَأَةً أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَقُولُ: "كَتَبْ عَلَيْكُمْ السَّعْيُ، فَاسْعَوْا" (^٥).
وقد استُدلّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ [وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ] (^٦). وقِيل: إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ [فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًٌا أَوْ سَهْوًا جَبْرَهُ بِدَمٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ تَقُولُ طَائِفَةٌ وَقِيلَ: بَلْ مُسْتَحَبٌّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا)] (^٧). وقِيل: بل مُسْتَحَبٌّ. وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَافَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: "لتَّأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكُكُمْ". فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ فِي حَِجَتِهِ تِلْكَ وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ فِي الْحَجِّ، إِلَّاَّ مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعِي"] (^٨).
فقد بين الله-تعالى -أنَّ الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، أَيْ: مِمَّا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَطْوَافٍ (^٩) هَاجِر وَتَرْدَادُهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ لِوَلَدِهَا، لِمَا نَفِدَ مَاؤُهَا وَزَادَُهَا، حِينَ تَرَكَهُمَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ -هُنَالِكَ لَيْسَ عِنْدَهُمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا خَافَتْ الضَّيْعَةُ عَلَى وَلَدِهَا هُنَالِكَ، وَنَفْدَ مَا عِنْدَهَا قَامَتْ تَطْلُبُ الْغَوْثَ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ تَزُلْ تَرَدُّدٌ (^١٠) فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُشْرِفَةُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُتَذَلِّلَةً خَائِفَةً وَجَلَّةً مُضْطَرَّةً فَقِيرَةٌ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلّ، حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ كَرِبْتَهَا، وَآنِسَ غَرْبْتَهَا، وَفَرْجَ شِدَّتَهَا، وَأَنْبَعَ لَهَا زَمْزَمَ الَّتِي مَاؤُهَا طَعَامٌ طَعْمٍ، وَشِفَاءَ سَقَمٍ، فَالسَّاعِي بَيْنَهُمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فَقْرَهُ وَذَلِهِ وَحَاجَتُهُ إِلَى اللَّهِ فِي هِدَايَةِ قَلْبِهِ وَصَلَاحِ حَالِهِ وَغُفْرَانَ ذَنْبَهُ، وَأَنْ يَلْتَجِئَ إِلَى اللَّهِ،
1 صحيح مسلم برقم (١٢١٨).
2 في جـ: "بنت أبي تجر".
3 المسند (٦/ ٤٢١).
4 في أ: "بن عبدة".
5 المسند (٦/ ٤٣٧).
6 زيادة من جـ، ط، أ.
7 زيادة من جـ، ط، أ.
8 زيادة من جـ، ط، أ.
9 في جـ: "تطوف" وفي أ: "طواف".
10 في جـ: "تزل تتردد".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout