وَقَوْلُهُ: (لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) أي: أَهْل الكِتَابِ؛ فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مِنْ صِفَةِ هَذِهِ الأَمَةِ التَّوَجُّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَإِذَا فَقَدُوا ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهَا رُبَّمَا احْتَجُّوا بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِئَلَّا يَحْتَجُوا بِمُوَافَقَةِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَهَذَا أَظْهَرُ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: (لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) يَعْنِي به أَهْل الْكِتَابِ حِينَ قَالُوا: صُرف مُحَمَّدٌ إِلَى الْكَعْبَةِ.
وَقَالُوا: اشْتَاقُ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ (^١) ودِينَ قَوْمِه. وَكَانَ حُجَّتُهُمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصِرَافَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَنَّ قَالُوا: سَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا كَمَا رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءً، وَالضَّحَّاكِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيُّ، نَحْوُ هَذَا.
وَقَالَ هَؤُلاَءِ فِي قَوْلِهِ: (إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) يعنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٌ.
وَوَجْهُ بَعْضِهِمْ حَُجّة الظُّلْمَةِ -وَهِيَ دَاحِضَةٌ -أَنْ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَزْعُمُُ أَنَّهُ عَلَى دِيْنِ إِبْرَاهِيمَ: فَإِنْ كَانَ تَوَجَّّهُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمْ رَجَعْ عَنْهُ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لَهُ التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوَّلًا لِمَا لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ، فَأَطَاعَ رَبُّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَفَهُ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ -وَهِيَ الْكَعْبَةُ -فَامْتَثَلَ أَمْرُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًُا، فَهُوَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، مُطِيعٌ لِلَّهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، لَاَ يَخْرُجُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ طَرْفَةُ عَيْنَ، وَأَمَتِهُِ تَبَع له.
وقَوله: (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) أَيُّ: لا تَخَشُوا شُبَهَ الظُّلمَةُ الْمُتَعَنَتِيْنِ، وَأَفَّْرِدُوا الْخَشْيَةَ لِي، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ أَهْلُ أَنْ يُخْشَى مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) عطف على (لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) أي: وَلأَتُمْ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِيمَا شَرِعْتُ لَكُمْ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، لِتَكْمُّلَ لَكُمْ الشَّرِيعَةِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهَا (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي: إلى ما ضَلّت عَنْهُ الأُمَمُ هَدَيْنَاكُمْ إِلَيْهِ، وَخََصَصْنَاكُمْ بِهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَمَةُ أَشْرَفََ الْأُمَمُ وَأَفْضَلُهَا.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾
يُذكر تعالَى عِبادُهُ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْثَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتُ اللَّهِ مُبَيِّنَاتُ وََيُزَكِّيهم، أي: يُطَهِّرُهُمْ مِنْ رَذَائِلِ الأَخْلَاقِ وَدَّنَس النُّفُوسِ وَأَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَيَعْلِّمُهُمْ الْكِتَابُ -وَهُوَ الْقُرْآنُ -وَالْحِكْمَةُ -وَهِيَ السَّنَةُ -وَيَعْلِّمُهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ. فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ الجَهِْلاء يُسفَهُون بِالقَوْلِ الْفُرََى، فَانْتَقَلُوا بِبَرَكَةِ رِسَالَتِهِ، وَيَُمِنْ سَفَّارَتِهِ، إِلَى حَالِ الْأَوْلِيَاءِ، وَسَجَايَا الْعُلَمَاءِ فَصَارُوا أَعْمَقَ النَّاسَ عِلْمًَا، وَأَبَرَهُمْ قُلُوبًُا، وَأَقَلُّهُمْ تَكَلُّفًَا، وَأَصْدَقَهُمْ لِهْجَةٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾
1 في أ: "في بيت الله".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout