قُرَيْشٌ كُلُّهُمْ -قَالَ (^١): يا مَعْشَرُ قُرَيْشٍ، اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ، يَقْضِي بَيْنَكُمْ، فِيهِ. فَفَعَلُوا، فَكَانَ أَوَّلُ دَاخِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ رَضِينَا، هَذَا مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرُ، قَالَ [رسُولُ اللَّهِ] (^٢) صلى الله عليه وسلم: "هَلُمَّ إليَّ ثوبًا" فَأُتِي بِهِ، فَأَخَذَ الرُّكْنُ -يَعْنِي الْحَجَرَ الأَسْوَدَ-فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "لتَّأَخُّذِ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ"، ثُمَّ [قَال] (^٣): "ارفعوه جمِيعا". فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضْعَهُ هُوَ بِيَدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ.
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ: الْأَمِينُ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْبُنْيَانِ وَبَنُوهَا عَلَى مَا أَرَادُوا، قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَيَّةِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشُ تُهَابُ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ لَهَا:
عجَبْتُ لَمَا تَصُوبْتُ (^٤) العُقَاب … إِلى الثَّعْبَانِ وَهِيَ لَهَا اضْطِرَابُ
وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشَيْشٍ … وَأَحْيَانًِا يَكُونُ لَهَا وَثََابٌ
إِذَا قُمْنَا إِلَى التَّأْسِيسِ شَدَّت … تُهَيّبُنُا البِناءَ وقَدْ تُهَابُ
فلما أَن خَشِينا الزََّّجْرَ جاءت … عقَاب تَتْلَئِبُّ لها انصبَابُ
فَضَمْتُهَا إِلَيْهَا ثُمَّ خَلَّت … لَنَا الْبُنْيَانَِ لَيْسَ لَهُ حِجَابٌ
فَِقُمْنَا حَاشِدِينُ إِلَى بِنَاءٍ … لَنَا مِنْهُ الْقَوَاعِدُُ وَالتُّرَابُ
غُدَاةُ نَُرَفِّع التَّأسِيسُ مِنْهُ … وَلَيْسَ عَلَى مُِسَوِّينا ثِيَابُ
أَعَِزّ بِهِ الْمَلِيكَُ بَنِي لُؤِي … فَلَيْسََ لِأَصْلِهِ مِنَْهُم ذََهَابِ
وَقَدْ حَشَدَتْ هُنَاك بنُو عَديّ … ومَُرَّة قد تَقَدَّمَها كلاب
فَبَوَّأنا الْمَلِيكُ بِذَاكَ عَزّا … وَعِنْدَ اللَّهِ يُلْتَمَسُ الثواب (^٥)
قال ابن إسْحاق: وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًًا، وَكَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيّ، ثُمَّ كَُسَِيت بَعْدَُ الْبَُرُودِ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ.
قُلت: وَلَمْ تَزُلْ عَلَى بِنَاءِ قُرَيْشٍ حَتَّى أُحْرَقْتُ (^٦) فِي أَوَّلِ إِمَارَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ. وَفِي آخِرِ وِلَايَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، لَمّا حَاصَرُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَحِينَئِذٍ نَقَضَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى الأَرْضِ وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَدْخَلَ فِيهَا الْحَجَرَ وَجَعَلَ لَهَا بَابًٌا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرَبِيًّا مُلصَقِينَ
1 في جـ، ط: "فقال".
2 زيادة من جـ.
3 زيادة من ط.
4 في ط: "صوبت".
5 السيرة النبوية لابن إسحاق (نص رقم ١١٦) ط، حميد الله، المغرب.
6 في أ، و: "احترقت".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout