فَالْقَوَاعِدُ: جَمْعُ قَاعِدَةً، وَهِيَ السَّارِيَّةُ وَالْأَسَاسُ، يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرْ -يَا مُحَمَّدُ -لْقَوْمِكِ بِنَاءً إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، الْبَيْتَ، وَرَفَْعََهُمَا الْقَوَاعِدَُ مِنْهُ، وَهُمَا يَقُولَانِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فهما فِي عَمَلِ صَالِحٍ، وَهُمَا يَسْأَلَانِ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا، كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ: أَنَّهُ قَرَأً: (وَإِِذْ يَرْفَعُ إِِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) ثم يَبَكِي وَيَقُولُ: يَا خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، تَرْفَعُ قَوَائِمَ بَيْتِ الرَّحْمَنِ وَأَنْتِ مَُشَْفِقَ أَنْ لَا يَتَقَبَّلَ مِنْك. وَهَذَا كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ (^١) فِي قَوله تَعَالَى: ﴿وََالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أَيْ: يُعْطُوْنَ مَا أَعْطُوا مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالنَّفَقَاتِ وَالْقُرُبَاتِ ﴿ُوَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [الْمُؤْمِنُون: ٦٠] أَيُّ: خَائِفَةُ أَلا يَتَقَبَّلَ مِنْهُمْ. كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ الْقَوَاعِدَ هُوَ إِبْرَاهِيمَ، وَالدَّاعِي إِسْمَاعِيلُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ وَيَقُولَانِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا حَدِيثًَا سَنُورِدُهُ ثُمَّ نَُتَْبِِعَهُ بِآثَارٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِذَلِكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مََعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْيْتَانِيُّ (^٢) وَكَثَيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وََدَاعَة -يَزِيدُ أَحَدَُهُمَا عَلَى الْآخَرِ -عَنْ سَعِيدِ بْنِ جَُبََيرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَوَّلُ مَا (^٣) اتَّخِذُ النِّسَاءُ الْمَنَّْطَق مِنْ قِبََلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِمَا (^٤) السلام اتَّخَذْتُ مُنْطِقًٌا لِيَعْفِيَ أَثَرُهَا عَلَى سَارَةٍ. ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهِيَ تَرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةِ فَوْقَ زَمَْزِم فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضِعَ عِنْدَهُمَا جُرَابًًا فِيهِ تَمْرٌ وَسَِقََاءَ فِيهِ مَاءً، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، مُنْطَلِقًٌا. فَتَبِعْتُهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمَ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرَكْنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَاَ شَيْءَ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًَا، وَجَعَلَ لَاَ يُلْتَفِتُ إِلَيْهَا. فَقَالَتْ (^٥) آلله أَمْرُك بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًْا لاَ يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتُ. فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، قَالَ: ﴿رَبَّنَا (^٦) إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وَجَعَلْتُ أُمُّ إِسْمَاعِيلُ تَرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِمَا السَّلَاَمُ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءَ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَاءَ السَّقَاءِ (^٧) عَطَشْتُ وَعَطَشَ ابْنَهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْلَوَّى -
1 في أ، و: "الخلص".
2 في أ، و: "السختياني".
3 في جـ: "أول من".
4 في جـ: "عليه".
5 في أ: "فقالت له".
6 في ج، ط: " رب " وهو خطأ
7 في أ، و: "نفد ما في السقاء".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout