وَالسَّلَامُ، لِمَجِيئِهِمَا (^١) بِمَا جَاءَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِتَغَيُّرِ مَا غَيْرَ اللَّهِ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ. فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّ لَهُ مِلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانِهِمَا، وَأَنَّ الْخَلْقَ أَهْلُ مُمْلَكَتِهِ وَطَاعَتُهُ وَعَلَيْهِمْ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَأَنَّ لَهُ أَمْرَهُمْ بِمَا يَشَاءُ، وَنَهْيَهِمْ عَمَّا يَشَاءُ، وَنَسَخَ مَا يَشَاءُ، وَإِقْرَارُ مَا يَشَاءُ، وَإِنْشَاءُ مَا يَشَاءُ مِنْ إقْرَارِهِ وَأَمَرِهُ وَنَهْيِهِ.
[وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِذَبْحِ وَلَدِهِ، ثُمَّ نَسَخَهُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَأَمَرَ جُمْهُورٍ بَنَى إِسْرَائِيلَ بِقَتْلٍ مِنْ عَبْدِ الْعَجْلِ مِنْهُمْ، ثُمَّ رَفِعَ عَنْهُمْ الْقَتْلَ كَيْلًا يَسْتَأْصِلُهُمُ الْقَتْلُ (^٢)].
قلت: الذي يحْمل اليَهُودُ عَلَى الْبَحْثِ فِي مَسْأَلَةِ النُّسَخِ، إِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْعِنَادُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ النُّسَخِ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يُحْكُمُ مَا يَشَاءُ كَمَا يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَشَرَائِعِهِ الْمَاضِيَةِ، كَمَا أَحِلَّ لِآدَمَ تَزْوِيجُ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، ثُمَّ حَرُمَ ذَلِكَ، وَكَمَا أَبَاحَ لِنُوحٍ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ السَّفِينَةِ أَكْلُ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، ثُمَّ نُسِخَ حِلُّ بَعْضهَا، وَكَانَ نِكَاحُ الأُخْتَيْنِ مُبَاحٌ لِإِسْرَائِيلَ وَبَنِيهِ، وَقَدْ حَرُمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَمَا بَعْدَهَا. وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ وَيُصْدِفُونَ عَنْهُ. وَمَا يُجَابُ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بِأَجْوِبَةٍ لَفْظِيَّةٍ، فَلَاَ تَصَرُّفُ الدَّلَالَةُ فِي الْمَعْنَى، إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ، كَمَا فِي كُتُبِهِمْ مَشْهُورًا مِنَ الْبَشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرُ بِاتِّبَاعِهِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَمَلٌ إِلَّا عَلَى شَرِيعَتِهِ. وَسَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الشَّرَائِعَ الْمُتَقَدِّمَةَ مَُغََيََّاة إِلَى بَعْثَتِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ نَسَخًٌا كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقِرة: ١٨٧]، وقِيل: إِنَّهَا مُطَلَقَةُ، وَإِنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُسْخْتُهَا، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَوُجُوبُ اتِّبَاعِهِ مُعَيَّنٌ (^٣) لأَنَّهُ جَاءَ بِكِتَابٍ هُوَ آخَرُ (^٤) الْكتُبُ عَهدا بِاَللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
فَفِي هَذَا الْمَقَامِ بَيْنَ تَعَالَى جَوَازِ النَّسَخِ، رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ، عَلَيْهِمْ لِعَائِنِ اللَّهِ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الآيَة، فَكَمَا أَنَّ لَهُ الْمَلْكَ بِلَاَ مُنَازِعٍ، فَكَذَلِكَ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا يَشَاءُ، ﴿أََلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقُرِّئَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، الَّتِي نَزَلَ صَدْرُهَا خِطَابًًا مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وُقُوعُ النُّسَخِ عِنْدَ الْيَهُودِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ الآية [آل عِمْرَانُ: ٩٣] كَمَا سَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا، وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ النُّسَخِ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحُكْمِ الْبَالِغَةِ، وَكُلُّهُمْ قَالَ بِوُقُوعِهِ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الأَصْبَهَانِيُّ الْمُفَسِّرِ: لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ هَذَا ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ مَرْذُولً. وَقَدْ تُعَسَّفَ فِي الْأَجْوِبَةِ عَمَّا وَقَعَ مِنْ النُّسَخِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَضِيَّةُ الْعِدَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يَجِبْ عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامٍ مَقْبُولٍ، وَقَضِيَّةُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ، عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَجِبَ
1 في جـ، ط: "بمجيئها".
2 زيادة من جـ، ط.
3 في ط، ب: "متعين".
4 في ط: "هو أحدث".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout