وَقَوْلُهُ: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) قال عبد الرَّزَّاقِ، عَن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: (تَعْرُجُ) تصعد.
وأَمَّا الرُّوحُ فَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: هُمْ خَلَقٌ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ. يُشْبِهُونَ النَّاسَ، وَلَيْسُوا أُنَاسًا.
قُلْت: وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيل، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ جِنْسٍ لِأَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ، فَإِنَّهَا إِذَا قَبَضَتْ يَُصَعِدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَِنَْهَِال، عن زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًٌا -الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي قَبْضِ الرُّوحِ الطَّيِّبَةِ-قَالَ فِيهِ: "فَلا يَزَالُ يَصْعُدُ بِهَا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ (^١) السابِعة". واللهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، فَقَدْ تَُكَلَّمَ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ مَشْهُورٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْهُ وَهَذَا إِسْنَادُ رِجَالِهِ عَلَى شَرْطِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ بَسَطْنَا لَفْظُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إِبراهيم: ٢٧].
وقوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) فِيه أَرْبَعَةُ أَقْوَالِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، وَهُوَ قَرَارُ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفُ سُنَةً، هَذَا ارْتِفَاعُ الْعَرْشِ عَنْ الْمُرْكَزِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ. وَذَلِكَ اتِّسَاعُ الْعَرْشِ مِنْ قَطَرٍ إِلَى قِطْرٍ مَسِيرَةِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةً، وَأَنَّهُ مِنْ يَاقُوتَةِ حَمْرَاءً، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ صِفَةِ الْعَرْشِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا حََكَّام، عَن عُمَر بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) قَال: مُنْتَهِى أَمْرُهُ مِنْ أَسْفَلِ الأَرَضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهِ مِنْ فَوْقِ السَّمَاوَاتِ مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَيَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةً. يَعْنِي بِذَلِكَ: تََنَزِلَ الْأَمْرُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَمِنْ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ مِقْدَارُهُ أَلْفُ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مِقْدَارٌ مَسِيرَةِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةً.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ حََكَّام بْنِ سَلمِ، عَنْ عَُمَِرِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ، لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ (^٢).
وقال ابن أَبِي حَاتِمِ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَُّّنافِِسِيّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا نُوحُ الْمُؤَدِّبِ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: غَلَظَ كُلُّ أَرْضٍ خَمْسَمِائَةٍ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ خَمْسِمِائَةٍ عَامٍ، فَذَلِكَ سَبْعَةُ آلَافٍ عَامٍ. وَغَلَظَ كُلُّ سَمَاءِ
1 في م: "السماء التي فيها الله".
2 تفسير الطبري (٢٩/ ٤٤).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout