يُقْتُلُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ (^١) أَوْ يُقِرُّ بِذَلِكَ فِي حَقّ شَخْص (^٢) مُعِين. وَإِذَا قُُتَلَ فَإِنَّهُ يَُقِْتَل حَدًا عِنْدَهُمْ إِلاَّ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُقْتَلُ -وَالْحَالَةَ هَذِهِ-قِصَاصًًا.
قال: وهَل إِذَا تَابَ السَّاحِرُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ فَقَالَ مَالِكً، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا: لَا تُقْبَلُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: تُقْبَلُ. وَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ، كَمَا يَقْتُلُ السَّاحِرُ الْمُسْلِمَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لَاَ يُقْتَلُ. يَعْنِي لِقَصَّةٍ لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ (^٣).
واختلفوا فِي الْمُسْلِمَةِ السَّاحِرَةِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (^٤) لا تَقْتَل، وَلَكِنْ تُحْبَسَ. وَقَالَ الثَّلَاثَةُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: قَرَأ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي أَحْمَدَ بْنُ حَنْبَلَ-عَُمََرُ بْنِ هَارُونَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: يَقْتُلُ سَاحِرَ الْمُسْلِمِينَ وَلَاَ يَقْتُلُ سَاحِرُ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَحْرَتُهُ امْرَأَةً مِنْ الْيَهُودِ فَلَمْ يَقْتَلْهَا.
وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ قَالَ فِي الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ يُقْتَلُ إِنْ قَتَلَ سَحْرَهُ، وَحَكَى ابْنُ خُوَيْزٍ مِنْدَادٌ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَيْنِ فِي الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتْلَ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُقْتَلُ وَإِنْ أَسْلَمَ، وَأَمَّا السَّاحِرُ الْمُسْلِمُ فَإِنْ تَضَمَّنَ سَحْرَهُ كُفْرًَا كُفَرَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ". لكن قَالَ مَالِك: إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ لِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ، فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ وَجَاءَنَا تَائِبًًا قَبْلْنَاهُ وَلَمْ نَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلَ سَحْرَهُ قَتْلَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ قَالَ: لَمْ أَتَعَمَّدْ الْقَتْلَ فَهُوَ مُخْطِئٌ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.
مَسْأَلَةٌ: وَهَلْ يَسْأَلُ السَّاحِرَ حَلَّ سَحْرِهُ؟ فَأَجَازَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ عَامِرُ الشَّعْبِيُّ: لَاَ بَأْسَ بِالنَّشْرَةِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَّا تَنْشَرِتُ، فَقَالَ: "أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَخَشِيْتُ أَنْ أَفْتَحَ عَلَى النَّاسِ شَرًا" (^٥). وَحَكى الْقُرْطَبِيُّ عَنْ وَهْبٍ: أَنَّهُ قَالَ: يُؤْخَذُ سَبْعَ وَرُقَاتٍ مِنْ سُدْرٍ فَتَدَقَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ثُمَّ تَضْرَبُ بِالْمَاءِ وَيَقْرَأُ عَلَيْهَا آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَيَشْرَبُ مِنْهَا الْمَسْحُورُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِبَاقِيهِ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ مَا بِهِ، وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُؤْخَذُ عَنْ امْرَأَتِهِ.
قُلْت: أَنْفَعُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِإِذْهَابِ السِّحْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِذْهَابِ ذَلِكَ وَهُمَا الْمُعَوِّذَتَانِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "لم يَتَعَوَّذْ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِمَا" (^٦) وَكَذَلِك قِرَاءَةُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ فَإِنَّهَا مُطَّرِدَةٌ لِلشَّيْطَانِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ: وَعِنْدَنَا أَنَّ السِّحْرَ حَقًّ، وَلَهُ حَقِيقَةٌ يَخْلُقُ اللَّهُ عِنْدَهُ مَا يَشَاءُ.
1 في جـ: "منه الفعل".
2 في أ: "في حق رجل".
3 في أ: "لقضية لبيد بن الأعصم".
4 في جـ، ط، ب، أ، و: "فعند أبي حنيفة أنها".
5 صحيح البخاري برقم (٥٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٢١٨٩).
6 رواه النسائي في السنن (٨/ ٢٥١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout