قُلْت: النَّمِيمَةُ عَلَى قِسْمَيْنَ، تَارَةً تَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيشِ [بَيْنَ النَّاسِ] (^١) وتَفْرِيقُ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهَذَا حَرَامٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأَمَّا إذَا (^٢) كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ [بَيْنَ النَّاسِ] (^٣) وَائْتِلَافُ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَيْسَ بِالْكَذَّابِ مَنْ يََنِمّ خَيْرًَا" أَوْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّخْذِيلِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ جُمُوعِ الْكُفْرَةِ" فَهَذَا أَمْرٌ مَطْلُوبٌ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "الْحَرْبِ خَدْعَةَ". وَكَمَا فَعَلَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ (^٤) فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ كَلِمَةِ الْأَحْزَابِ وَبَيْنَ (^٥) قَرِيظَةَ، وَجَاءَ إِلَى هَؤُلاَءِ فَنَمَّى إِلَيْهِمْ عَنْ هَؤُلَاَءِ كَلَاَمًَا، وَنُقَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ شَيْئًٌا آخَرُ، ثُمَّ لِأُمٍّ بَيْنَ ذَلِكَ، فَتَنَاكَرَتْ النُّفُوسُ وَافْتَرَقَتُ. وَإِنَّمَا يَحْذُو عَلَى مِثْلِ هَذَا الذَّكَاءِ وَالْبَصِيرَةِ النَّافِذَةِ. وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانَ.
ثُمَّ قَالَ الرَّازِيُّ: فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي أَقْسَامِ السِّحْرِ وَشَرْحِ أَنْوَاعِهِ وَأَصْنَافِهِ.
قُلْت: وَإِنَّمَا أَدْخَلَ كَثِيرًًا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ فِي فَِنّ السِّحْرُ، لِلطَّافَةِ مَدَارِكُهَا؛ لِأَنَّ السِّحْرَ فِي اللُّغَةِ: عِبَارَةٌ عَمَّا لِطُِف وَخَفِيَ سَبَبُهُ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لِسَحَرًَا (^٦). وسمي السُّحُورُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ خَفِيًا آخِرَ اللَّيْلِ (^٧) والسَّحْر: الرِّئة، وهِي مَحَلُّ الْغِذَاءِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخَفَائِهَا وَلَطْفِ مَجَارِيهَا إِلَى أَجْزَاءِ الْبَدَنِ وَغُضْونِهِ، كَمَا قَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ لِعُتْبَةَ: انْتَفَخَ سَحْرَكَ (^٨) أَي: انْتَفَخَتْ رِئْتُهُ مِنَ الْخَوْفِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: تُوُفِّيَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَحْري ونََحْري. وَقَال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] (^٩) أي: أَخَفُوا عَنْهُمْ عَمَلُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (^١٠).
[فصل] (^١١) وقد ذكر الْوَزِيْرُ أَبُو الْمُظَفِرِ يَحْيَى بْنُ هَِبَيْرَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي كِتَابِهِ: "الْإِشْرَافِ عَلَى مَذَاهِبِ الأَشْرَافِ" بَابًٍا فِي السِّحْرِ، فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَاَ حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ وَيَسْتَعْمِلُهُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يُكَفِّرُ بِذَلِكَ. وَمِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ قَالَ: إِنْ تَعَلَّمَهُ لِيَتْقِيهُ أَوْ لِيَجْتَنِبَهُ فَلَا يُكَفِّرُ، وَمَنْ تَعَلُّمَهُ مُعْتَقِدًًا جَوَازَهُ أَوْ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ كََفََر. وَكَذَا مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ تَفْعَلُ لَهُ مَا يَشَاءُ فَهُوَ كَافِرٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِذَا تَعَلَّمَ السِّحْرُ قُلْنَا لَهُ: صَفٌّ لَنَا سَحْرُك. فَإِنْ وَصَفَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ مِثْلَ مَا اعْتَقَدَهُ أَهْلٌ بَابِلٍ مِنْ التَّقَرُّبِ إِلَى الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةَ، وَأَنَّهَا تَفْعَلُ مَا يَلْتَمِسُ مِنْهَا، فَهُوَ كَافِرٌ. وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ فَإِنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ فَهُوَ كَافِرً.
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَهَلْ يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: نَعَمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لاَ. فَأَمَّا إِنْ قُتِلَ بِسَحْرِهِ إِنْسَانًا فَإِنَّهُ يَُقِْتِل عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ
1 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
2 في جـ، ط، ب، أ، و: "فأما إن".
3 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
4 في جـ: "ابن الأسود".
5 في جـ، ط، ب، أ، و: "وبني".
6 في جـ، ط، ب، أ، و: "سحرًا".
7 في جـ: "الليلة".
8 في جـ، ب، أ، و: "سحره".
9 في جـ: "الناس واسترهبوهم".
10 في جـ: "والله تبارك وتعالى أعلم".
11 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout