فَأَتَيَاهُ، فَقَالَا ادْعُ لَنَا رَبُّكَ. فَقَالَ: كَيْفَ يَشْفَعُ أَهْلَ الْأَرْضِ لِأَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَا سَمِعْنَا رَبَّكَ يَذْكُرُك بِخَيْرٍ فِي السَّمَاءِ. فَوَعَدَهُمَا يَوْمًَا، وَغَدًا يَدْعُو لَهُمَا، فَدَعَا لَهُمَا، فَاسْتُجِيبَ لَهُ، فَخَيْرًا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَقَالَ: أَلا تَعْلَمُ أَنَّ أَفْوَاجَ عَذَابِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ كَذَا وَكَذَا فِي الْخَلْدِ، وَفِي الدُّنْيَا تِسْعُ مَرَّاتٍ مِثْلِهَا؟ فَأَمْرًا أَنْ يَنْزِلَا بِبَابِلٍ، فَثَمَّ عَذَابَهُمَا. وَزَعَمَ أَنَّهُمَا مُعَلَّقَانِ فِي الْحَدِيدِ مُطْوِيَانِ، يُصَفِّقَانِ بِأَجْنَحَتِهِمَا.
وَقَدْ رَوِىَ فِي قِصَّةِ هَارُوت وَمَارُوتٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، كَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ [الْبَصْرِيِّ] (^١) وَقَتَادَةُ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنُ أَنَسٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَصّهَا خَلَقٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَحَاصِلُهَا رَاجِعٌ فِي تَفْصِيلِهَا إِلَى أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ إلَى الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ الْمَعْصُومِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْقُرْآنِ إجْمَالُ الْقِصَّةِ مِنْ غَيْرِ بَسْطٍ وَلَا إِطْنَابٍ فِيهَا، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ غَرِيبٍ وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ فِي ذَلِكَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَنَبِّهَ عَلَيْهِ، قَالَ: الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَنْ أَبِيهَا] (^٢) أنها قَالَت: قَدِمْتُ امْرَأَةً عَلِيَّ مِنْ أَهْلِ دُوْمَةِ الْجُنْدَلِ، جَاءَتْ تَبْتَغِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ حََدَاثَّةَ ذَلِكَ، تَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ (^٣) دَخَلْتُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ السِّحْرِ، وَلَمْ تَعْمَلْ بِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، لعُرْوَة: يَا ابْنُ أُخْتِي، فَرَأَيْتُهَا تَبْكِي حِينَ لَمْ تَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْفِيهَا كَانَتْ تَبْكِي حَتَّى إِنِّي لَأَرْحَمَهَا، وَتَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكَتَ. كَانَ لِي زَوْجٌ فَغَابَ عَنِّي، فَدَخَلْتُ عَلِيَّ عَجُوزٌ فَشَكُوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنْ فَعَلْتُ مَا آمُرُكَ بِهِ فَأَجْعَلَهُ يَأْتِيك. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، فَرَكِبْتُُ أَحَدُهُمَا (^٤) وَرَكِبْتُ الآخَرُ، فَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءٍ حَتَّى وَقَفْنَا بِبَابِلٍ، وَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مُعَلَّقِينَ بِأَرْجَلِهِمَا. فَقَالَا مَا جَاءَ بِكَ؟ فَقُلْتُ: أَتَعْلِّمُ (^٥) السحر. فَقَالاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفِرِي، فَارْجِعِي. فَأَبِيْتُ وَقُلْتُ: لاَ. قَالاَ فَاذْهَبِي (^٦) إلى ذلك التَّنُّور، فَبُوَلِي فِيهِ. فَذَهَبْتُ فَفَزَّعْتُْ وَلَمْ أَفْعَلْ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا، فَقَالَاَ أَفْعَلْتُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَاَ هَلْ رَأَيْتُ شَيْئًٍا؟ فَقُلْتُ: لَمَ أَرَ شَيْئًٍا. فَقَالاَ لَمْ تَفْعَلِي، ارْجِعِي إِلَى بِلَاَدِكَ وَلَاَ تَكْفِّرِي [فَإِنَّكَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِي] (^٧). فأرْبَبْت وَأُبَيْتُ (^٨). فقَالا اذْهَبِيُّ إِلَى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُوَلِيٍّ فِيهِ. فَذَهَبَتُ فَاقْشَعْرَرْتُ [وَخَفْتَ] (^٩) ثم رَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْت. فَقَالَا فَمَا رَأَيْتُ؟ فَقُلْت: لِمَ
1 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
2 زيادة من جـ.
3 في أ، و: "عن أشياء".
4 في جـ: "فركبت إحداهما".
5 في جـ، ب، أ، و: "فقلنا نتعلم".
6 في أ: "فقالا فاذهبا".
7 زيادة من جـ.
8 في جـ: "فأبت وأبيت".
9 زيادة من جـ، ب، أ، و.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout