ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي رَدِّ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَنْ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي، وَأَطَالَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ، وَادَّعَى (^١) أَن هَارُوتَ وَمَارُوتُ مَلْكَانَ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ إِلَى الأَرْضِ، وَأَذِنَ لَهُمَا فِي تَعْلِيمِ السِّحْرِ اخْتِبَارًٌا لِعِبَادِهِ وَامْتِحَانًِا، بَعْدَ أَنْ بَيْنَ لِعِبَادِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَادَّعَى أَنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتُ مُطِيعَانَ فِي تَعْلِيمِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا امْتَثَلَا مَا أَمْرَا بِهِ.
وَهَذَا الَّذِي سَلَكَهُ غَرِيبٌ جَدًٍّا! وَأَغْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتُ قَبَيْلَانِ مِنَ الْجِنِّ [كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ حَزْمٍ] (^٢)!
وروى ابن أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِهِ. عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرُؤُهَا: (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) وَيَقُول: هُمَا عِلْجَانُ مَنْ أَهْلِ بِابِلِ.
وَوَجَّه أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلُ الإِنْزَالُ بِمَعْنَى الْخََلْق، لا بِمَعْنَى الْإِيحَاءِ، فِي قَوْلِهِ: (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) كما قَال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحَديد: ٢٥]، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافِر: ١٣]. وفِي الْحَدِيثُ: "ما أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّاَّ أُنْزِلَ لَهُ دَوَاءً". وَكَمَا يُقَالُ: أَنْزَلَ اللَّهُ الْخَيْرُ وَالشَّرِّ.
[وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ أَبْزَى وَالضَّحَّاكِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَنَّهُمْ قَرَؤُوا: "وَمَا أُُنزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ" بكسر اللام. قَالَ ابْنُ أَبْزِى: وَهُمَا دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَعَلَى هَذَا تَكُونُ "مَا" نَافِيَةُ أَيْضًا] (^٣).
وذهب آخَرُونَ إِلَى الْوَقْفِ عَلَى قَوْلِهِ: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) [و"ما" نافِية] (^٤) قال ابْن جَرِير: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) قَال الرَّجُل: يَعْلُمَانُ النَّاسُ السِّحْرُ، مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا (^٥) أَو يَعْلِمَانِ النَّاسَ مَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمَا؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ: مَا أُبَالِي أَيَّتَهُمَا كَانَتَ.
ثُم رُوِىَ عَنْ يُونُسَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: أَنَّ الْقَاسِمَ قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: لَاَ أُبَالِي أَيّْ ذَلِكَ كَانَ، إِنِّي آمَنْتُ بِهِ.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُمَا كَانَا مِلْكَيْنِ مِنْ السَّمَاءِ، وَأَنَّهُمَا أَنْزَلَا إِلَى الْأَرْضِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا كَانَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مَرْفُوعٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ كَمَا سَنُورِدُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ مِنْ الدَّلَائِلِ عَلَى عِصْمَةِ الْمَلَائِكَةِ أَنَّ هَذَيْنِ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ لَهُمَا هَذَا، فَيَكُونُ تَخْصِيصًًا لَهُمَا، فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ، كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ أَمْرِ إبْلِيسَ
1 في جـ: "وادعى على".
2 زيادة من جـ، ط.
3 زيادة من جـ، ط.
4 زيادة من جـ، ط، ب، و.
5 في جـ: "إليهما".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout