بَيْنَ ظَهْرَانِيٍّ مُهَاجَره، وَفَضَحَ بِهَا أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَضِيَّةِ عَادِلَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فِيمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ الْخِلَافِ، كَمَا أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ الْفَرِيقَ الْآخَرَ مِنَ النَّصَارَى إِذْ خَالَفُوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَادِلُوهُ فِيهِ، إِلَى فَاصِلَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ الْمُبَاهَلَةِ. فَقَالَ لِفَرِيقٍ [مِنٍّ] (^١) اليهُود: إِنْ كُنْتُمْ مُحَقِّينَ فَتَمَنُّوا الْمَوْتَ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ضَارٍ بِكُمْ (^٢) إِنْ كُنْتُمْ مُحَقَّينَ فِيمَا تَدْعُونَ مِنَ الإِيمَانِ وَقُرُبَ الْمَنْزِلَةِ مِنَ اللَّهِ، بَلْ أُعْطِيكُمْ أَمْنَيْتُكُمْ مِنَ الْمَوْتِ إِذَا تَمَنَّيْتُمْ، فَإِنَّمَا تَصِيرُونَ إِلَى الرَّاحَةِ مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا وَنَصْبَهَا وَكَدَرِ عَيْشِهَا، وَالْفَوْزُ بِجِوَارِ اللَّهِ فِي جَنَاتِهِ (^٣) إِنْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ: مِنْ أَنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَكُمْ خَالِصَةٌ دُونَنَا. وَإِنْ لَمْ تُعْطُوْهَا عِلْمَ النَّاسِ أَنَّكُمْ الْمُبْطِلُونَ وَنَحْنُ الْمَحْقُونَ فِي دَعْوَانَا، وَانْكَشَفَ أَمْرَنَا وَأَمْرُكُمْ لَهُمْ فَامْتَنَعَتْ الْيَهُودُ مِنْ الْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ لِعِلْمِهَا (^٤) أَنَّهَا إِنْ تَمَنْتْ الْمَوْتُ هَلَكَتَ، فَذَهَبَتْ دُنْيَاهَا وَصَارَتْ إِلَى خَزِّيِ الأَبَدِ فِي آخِرَتِهَا، كَمَا امْتَنَعَ فَرِيقٌ [منّ] (^٥) النصارى.
فهذا الكلام مِنْهُ أَوَّلُهُ حَسَنٌ، وَأَمَّا آخِرُهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَظْهَرُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، إِذْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوا الْمَوْتَ فَإِنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ وُجُودِ الصَّلَاحِ وَتَمَنِّي الْمَوْتِ، وَكَمْ مِنْ صَالِحٍ لَا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ، بَلْ يُودُ أَنْ يَعْمَرَ لِيَزْدَادَ خَيْرًٍا وَتَرْتَفِعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "خَيْرُكُمْ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسَنَ عَمَلَهُ" (^٦). [وجاء فِي الصَّحِيحِ النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: "لا يَتَمَنَّينَ أَحَدُكُمْ الْمَوْتُ لِضَرِّ نَزَلَ بِهِ إِمَّا مُحْسِنًٌا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ، وَإِمَّا مُسِيئًًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتَبَ" (^٧)] (^٨). ولهُمُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولُوا عَلَى هَذَا: فَهَا أَنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ-أَنَّكُمْ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ، وَأَنْتُمْ لَاَ تَتَمَنَّونَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ الْمَوْتِ؛ فَكَيْفَ تَلْزَمُونَا بِمَا لَاَ نَُلَزِمَكُمُ؟
وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَاَ يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ قِيلَ لَهُمْ كَلَامُ نََصَف: إِنْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّكُمْ (^٩) أَوليَاءُ اللَّهُ مِنْ دُونَ النَّاسِ، وَأَنَّكُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحْبّّاؤُهُ، وَأَنَّكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْ عَدَاكُمْ [مِنّ] (^١٠) أهل النار، فَبَاهلُوا عَلَى ذَلِكَ وَادْعُوْا عَلَى الْكَاذِبِينَ مِنْكُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمُبَاهَلَةَ تَسْتَأْصِلُ الْكَاذِبَ لَاَ مَحَالَةَ. فَلَمَّا تَيَقََّّنُوا ذَلِكَ وَعَرَفُوا صَدِّقَهُ نَكَلُوا عَنِ الْمُبَاهَلَةِ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ وَكِتْمَانِهِمْ الْحَقُّ مِنْ صِفَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْتَهُ، وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَتَحَقَّقُونَهُ. فَعُلِمَ كُلُّ أَحَدٍ بَاطِلُهُمْ، وَخُزْيَهِمْ، وَضَلاَلُهُمْ وَعِنَادِهُمْ
1 زيادة من جـ.
2 في أ، و: "غير ضايركم".
3 في جـ: "وجنانه".
4 في جـ، ط، ب، أ، و: "لعلمهم".
5 زيادة من جـ.
6 جاء من حديث عبد الله بن بسر، وأبي بكرة، وأبي هريرة رضي الله عنهم، فأما حديث عبد الله بن بسر، فرواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٩) وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأما حديث أبي بكرة، فرواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٣٠) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في المسند (٢/ ٢٣٥).
7 صحيح البخاري برقم (٥٦٧١) وصحيح مسلم برقم (٢٦٨٠) من حديث أنس رضي الله عنه.
8 زيادة من جـ، ب، أ، و.
9 في و: "أنهم".
10 زيادة من أ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout