وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مِثْلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهْرِ".
[وقوله] (^١) (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أيِّ: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بِمَعْرِفَةِ هَذَا الْمِيثَاقِ وَصِحَّتِهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِهِ.
(ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) قال مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -أَوْ عِكْرِمَةَ-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) الآيَة، قال: أنبهُمُ اللَّه (^٢) من فعلهم، وَقَدْ حَرَّّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفَكَ دِمَائِهِمْ (^٣) وَافْتَرِضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فَدََاءً أَسْرَاهُمْ، فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ: طَائِفَةً مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعٍ وَإِنَّهُمْ (^٤) حلفاءُ الْخَزْرَجِ، وَالنَّضِيرُ، وَقُرَيْظَةُ وَإِنَّهُمْ (^٥) حلفاءُ الأَوس، فَكَانُوا إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعٍ مَعَ الْخَزْرَجِ، وَخَرَجَتْ النَّضِيرَ وَقَرَيْظَةٌ مَعَ الْأَوْسِ، يُظَاهِرُ (^٦) كُل وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إِخْوَانِهِ، حَتَّى يَتَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَبِأَيْدِيهِمْ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ. وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شَرْكٍ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانِ، وَلَاَ يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَاَ نَارًٍا، وَلَاَ بَعْثًَا وَلَاَ قِيَامَةً، وَلَاَ كِتَابًَا، وَلَاَ حَلَاَلًاً وَلَاَ حَرَامًَا، فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا افْتَدُّوْا أَسْرَاهُمْ، تَصْدِيقًٌا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَأَخَذًَا بِهِ؛ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعِ مَا كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيْدِي (^٧) الأوس، وَيَفْتَدِي النَّضِيرَ وَقُرَيْظَةُ مَا كَانَ فِي أَيْدِي (^٨) الخَزرج مِنْهُمْ، وَيَطْلَبُونَ (^٩) ما أَصَابُوا مِنْ دِمَائِهِمْ (^١٠) وَقُتَلى مَنْ قَتِلُوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، مُظَاهَرَةٌ لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَهُ حَيْثُ أََنَّبهم (^١١) بذلك: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أيِّ: يُفَادِيهُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَيَقْتُلُهُ، وَفِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ أَلَّا يَفْعَلَ، وَلَاَ يَُخَرُجُ (^١٢) مِنْ دَارِه، وَلاَ يُظَاهَر عليه مَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ، وَيَعْبُدُ الأَوْثَانِ مِنْ دُونِهِ، ابْتِغَاءَ عَرْضِ الدُّنْيَا. فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ -فِيمَا بَلَغَنِي-نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ (^١٣).
وقال أسباط عن السُّدِّيِّ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، وَكَانَتْ النَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَكَانُوا يَقْتَتِلُونَ فِي حَرْبٍ سُمَِير، فَيُقَاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفَائِهَا النَّضِيرََ وَحُلَفَاءَهُمْ، وَكَانَتْ النَّضِيرُ تُقَاتِلُ قُرَيْظَةُ
1 زيادة من جـ، ط، أ.
2 في جـ، ط، ب، أ، و: "أنبأهم الله بذلك".
3 في جـ: "سفك الدماء".
4 في جـ: "وهم".
5 في جـ: "وهم".
6 في جـ، ط، ب: "فظاهر".
7 في جـ: "يدي".
8 في جـ: "يدي".
9 في جـ، ط، أ: "يطلبون".
10 في جـ، ط، ب، أ، و: "من الدماء وقتلوا".
11 في جـ، ط، ب، أ، و: "حين أنبأهم".
12 في جـ، ط، ب: "ويخرجه".
13 انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٥٤٠) وتفسير الطبري (٢/ ٣٠٥).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout