فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشَاوَرُ أُمّهَا. فَأَتَى أُمّهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ابْنَتُكَ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ وَنَُعَمَّةُ عَيْنَ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ، إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجَلِيبِيبٍ. فَقَالَتْ: أََجُلَيَبِيبُ إِنِّيهُ (^١)؟ أَجليبِيبُ إِنِّيِه (^٢)؟ لا لعمر الله لاَ تَزََوّجُه. فَلَمّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُخْبِرُهُ بِمَا قَالَتْ أُمُّهَا، قَالَتْ الْجَارِيَةُ: مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ؟ فَأَخْبَرْتُهَا أُمُّهَا. قَالَتْ: أَتَرِدُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ؟! ادْفَعُونِي إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَنِي. فَانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: شَأْنَِكَ بِهَا. فَزَوّجها جُليبِيبًا. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُزَاةٍ لَهُ، فَلَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ"؟ قَالُوا: نَفَقِدُ فُلَاَنًا وَنَفْقِدُ فُلَاَنًا. قَالَ: "انْظُرُوا هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ " قَالُوا: لاَ. قَال: "لَكُنِّيُّ أَفْقِدُ جُلِيبِيْبَا". قَال: "فَاطلِبُوهُ فِي الْقَتْلَى". فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنُبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ. [فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَا هُوَ ذَا إِلَى جَنُبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ] (^٣). فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: قَتِلَ سَبْعَةُ [وَقَتَلُوهُ] (^٤)، هذا منِّي وَأَنَا مِنْهُ. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاَثًا، ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَاعِدَيْهِ [وَحَفَرَ لَهُ، مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسلم] (^٥). ثم وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ غَسَلَهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيّْمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا. وَحَدَثَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ثَابِتًا: هَلْ تَعْلَمُ مَا دَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: "اللَّهُم، صب عَلَيهَا [الْخَيْر] (^٦) صبا، وَلا تَجْعَلُ عَيْشُهَا كَدَا" كَذَا قَالَ، فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا.
هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِطُولِهِ (^٧)، وَأَخْرَجُ مِنْهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْفَضَائِلِ قِصَّةُ قَتْلِهُ (^٨). وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الِاسْتِيعَابِ" أَنَّ الْجَارِيَةَ لَمَّا قَالَتْ فِي خَدْرِهَا: أَتَرِدُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ؟ تَلْت (^٩) هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (^١٠).
وقال ابن جُرَيْج [أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: إِنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَنَهَاهُ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ (^١١): (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ (^١٢) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)] (^١٣).
فهذه الآية عَامَّة فِي جَمِيعِ الأُمُورِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا حَكَمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِشَيْءٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتِهِ وَلَا اخْتِيَارَ لِأَحَدٍ هَاهُنَا، وَلَا رَأْيٌ وَلَاَ قَوْل، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّساء: ٦٥] وفِي الْحَدِيثِ: "وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًًا لِمَّا جِئْتُ بِهِ". وَلِهَذَا شَدَّدٌ فِي خِلَافِ ذَلِكَ، فَقَالَ: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا)، كقَوله تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
1 في هـ، ت، ف، أ: "ابنه" والتصويب من المسند.
2 في هـ، ت، ف، أ: "ابنه" والتصويب من المسند.
3 زيادة من ت، ف، والمسند.
4 زيادة من ت، ف، والمسند.
5 زيادة من ت، ف، والمسند.
6 زيادة من ت، ف، والمسند.
7 المسند (٤/ ٤٢٢).
8 صحيح مسلم برقم (٢٤٨٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨٢٤٦).
9 في أ: "نزلت".
10 الاستيعاب (١/ ٢٥٩).
11 في أ: "عنهما".
12 في ت: "تكون".
13 زيادة من ت، ف، أ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout