وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: السُّلْوِىُّ وَاحِدَةٌ وَجَمْعُهُ سَلَاوِي، نَقَلَهُ كُلُّهُ الْقُرْطُبِيُّ (^١)] (^٢).
وقوله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أَمَرُ إِبَاحَةُ وَإِرْشَادٌ وَامْتِنَانِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [البقرة: ٥٧]، أَيُّ أَمَرَنَاهُمْ بِالأَكْلِ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ وَأَنْ يَعْبُدُوا، كَمَا قَالَ: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ: ١٥] فخَالَفُوا وَكَفَرُوا فَظَلِّمُوا أَنْفُسَهُمْ، هَذَا مَعَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْقَاطِعَاتِ، وَخُوَارِقُ الْعَادَاتِ، وَمَنْ هَاهُنَا تَتَبَيَّنُ فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (^٣) ورَضِي عَنْهُم، عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ فِي صَبْرِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ وَعَدَمِ تَعَنَّتِهِمْ، كَمَا كَانُوا مَعَهُ فِي أَسْفَارِهِ وَغَزَوَاتِهِ، مِنْهَا عَامٌّ تَبُوكً، فِي ذَلِكَ الْقَيْظِ وَالْحُرِّ الشَّدِيدِ وَالْجَهْدَ، لَمْ يَسْأَلُوا خَرَقَ عَادَةً، وَلَا إيجَادَ أَمْرٍ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَهْلًا عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلَكِنْ لَمَّا أَجْهَدَهُمْ الْجُوعُ سَأَلُوهُ فِي تَكْثِيرِ طَعَامِهِمْ فَجَمَعُوا مَا مَعَهُمْ، فَجَاءَ قَدْرُ مََبَْرَكِ الشَّاةِ، فَدَعَا [اللَّه] (^٤) فيه، وأَمْرُهُمْ فَمَلَؤُوا كُلَّ وِعَاءٍ مَعَهُمْ، وَكَذَا لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ سَأَلَ اللَّهُ تَعَالَى، فَجَاءَتْ سَحَابَةً فَأَمْطَرْتُهُمْ، فَشَرِبُوا وَسُقُوا الإِبِلَ وَمَلَؤُوا أَسْقِيْتَهُمْ. ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا هِيَ لَمْ تُجَاوِزْ الْعَسْكَرُ. فَهَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ فِي الِاتِّبَاعِ: الْمَشْيِ مَعَ قَدْرِ اللَّهِ، مَعَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم.
﴿وَإِِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾
يقول تعَالَى لائِمًا لَهُمْ عَلَى نُكُولِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ وَدُخُولِ (^٥) الأَرض الْمُقْدِسَةَ، لَمَّا قَدِمُوا مِنْ بِلَاَدِ مِصْرَ صُحْبَةُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَأَمَرُوا بِدُخُولِ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي هِيَ مِيرَاثٌ لَهُمْ عَنْ أَبِيهِمْ إِسْرَائِيلَ، وَقِتَالُ مَنْ فِيهَا مِنْ الْعَمَالِيقِ الْكُفْرَةِ، فَنَكَلُوا عَنْ قِتَالِهِمْ وَضَعَّفُوا وَاسْتَحْسِرُوا، فَرَمَاهُمُ اللَّهُ فِي الَّتِيهِ عُقُوبَةً لَهُمْ، كَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ السُّدِّيِّ، وَالرَّّبِيعِ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، [وَأَبُو مُسْلِمٍ الأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ِيَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيات] (^٦). [المائِدة: ٢١ - ٢٤]
وقال آخرُون: هِي أُرِيحًا [وَيَحْكِى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ] (^٧) وهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى طَرِيقِهِمْ، وَهُوَ قَاصِدُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لَا أَرِيحًا [وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ أَنَّهَا مِصْرَ، حَكَاهُ فَخْرُ الدَّيْنِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ] (^٨). وَهَذَا كَان لَمَّا خَرَجُوا مِنْ
1 تفسير القرطبي (١/ ٤٠٨).
2 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
3 في ط: "صلوات الله وسلامه عليه.
4 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
5 في ب: "عن دخولهم".
6 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
7 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
8 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout