وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَُنَْدَر، قَالاَ حَدَّثَنَا عََوَْف، عَنْ قُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ (^١)، عن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ اللَّهَ خَلْقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةِ قَبْضِهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمْ الْأَبْيَضُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثِ وَالطِّيِّبِ، وَالسَّهْلُ وَالْحِزْنُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ".
ورَوَاه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، بِهِ (^٢). وقال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) أَيُّ: خَلق لَكُمْ مِنْ جِنْسِكُمْ إِنَاثًا يََكُنَّ لكم أَزْوَاجًا، (لِتَسْكُنُوا إِِلَيْهَا)، كما قال تعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] يَعنِي بذلك: حَوَاءً، خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ آدَمَ مَنْ ضِلَعه الأَقْصَرِ الأَيْسَرَ. وَلَوْ أَنَّهُ جَعَلَ بَنِي آدَمَ كُلُّهُمْ ذُكُورًا وَجَعَلَ إِنَاثَهُمْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ [مِنْ غَيْرِهِمَ] (^٣) إما مَنْ جَانَ أَوْ حَيَوَانٍ، لَمَّا حَصَلَ هَذَا الِائْتِلَافُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَزْوَاجِ، بَلْ كَانَتْ تَحْصُلُ نََفَْرَةً لَوْ كَانَتْ الْأَزْوَاجُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. ثُمَّ مِنْ تَمَامِ رَحْمَتِهِ بِبَنِي آدَمَ أَنَّ جَعَلَ أَزْوَاجِهِمْ مِنْ جِنْسِهِمْ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ مُوَدَّةً: وَهِيَ الْمَحَبَّةُ، وَرَحْمَةٌ: وَهِيَ الرَّأْفَةُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ (^٤) يُمْسِكُ الْمَرْأَةَ إِمَّا لِمَحَبَّتِهِ لَهَا، أَوْ لِرَحْمَةٍ بِهَا، بِأَنْ يَكُونَ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ، أَوْ مُحْتَاجَةً إلَيْهِ فِي الْإِنْفَاقِ، أَوْ لِلْأَلْفَةِ بَيْنَهُمَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾.
يقول تعالى: وَمَنْ آيَاتِ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةُ (خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أيُّ: خَلقُ السَّمَاوَاتِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا، وَشُفُوفِ أَجْرَامِهَا وَزَهَارَةِ كَوَاكِبِهَا وَنُجُومِهَا الثَّوَابِتِ وَالسِّيَارَاتِ، وَالْأَرْضُ فِي انْخِفَاضِهَا وَكَثَافَتِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَأُوْدِيَةٍ، وَبِحَارٍ وَقُفَّارٍ، وَحَيَوَانٍ وَأَشْجَارٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ) يعني: اللغات، فَهَؤُلاَءِ بُلُغَةِ الْعَرَبِ، وَهَؤُلاَءِ تَتَرٌ لَهُمْ لُغَةً أُخْرَى، وَهَؤُلاَءِ كََرَج، وَهَؤُلاَءِ رُوْمً، وَهَؤُلاَءِ إِفْرَنْجَ، وَهَؤُلاَءِ بَِرْبر، وَهَؤُلاَءِ تَكَْرُورً، وَهَؤُلاَءِ حَبَشَةً، وَهَؤُلاَءِ هِنُودٌ، وَهَؤُلاَءِ عَجَمٌ، وَهَؤُلَاَءِ صَقَالِبَةً، وَهَؤُلَاَءِ خَزْرٌ، وَهَؤُلَاَءِ أَرْمَنَ، وَهَؤُلَاءِ أَكْرَادً، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ مِنْ اخْتِلَافِ لُغَاتِ بَنِي آدَمَ، وَاخْتِلَافُ أَلْوَانِهِمْ وَهِيَ حَُلاهُم، فَجَمِيعُ أَهْلِ الأَرْضِ -بَلْ أَهْلُ الدُّنْيَا -مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ: كُلٌّ لَهُ عَيْنَانِ وَحَاجِبَانِ، وَأَنْفٌ وَجَبَيْنِ،
1 في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".
2 المسند (٤/ ٤٠٠) وسنن أبي داود برقم (٣٦٩٣) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٥).
3 زيادة من ت، ف.
4 في ت، ف: "فالرجل".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout