وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ زَِيّ هَذَا السَّحَابَ، بَلْ أَحْسَنُ مِنْهُ وَأُطْيَبُ وَأَبْهَى مُنْظِرًا، كَمَا قَالَ سُنَيْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) قال: غُمَام أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأُطْيَبَ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وهُو الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الْمَلَاَئِكَةُ يَوْمَ بَدْرً. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ مَعَهُمْ فِي الَّتِيهِ.
وَقَوْله: (وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ) اخْتَلَفْتُ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمَنِّ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَلَى الأَشْجَارِ، فَيَغْدُّونَ إِلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شَاؤُوا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَنِّ: صَمْغَةً. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمَنِّ: شَيْءٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الطِّل، شَبَّهَ الرَِّّبِ الغلِيظ.
وقال السُّدِّيُّ: قَالُوا: يَا مُوسَى، كَيْفَ لَنَا بِمَا هَاهُنَا؟ أَيْنَ الطَّعَامَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ، فَكَانَ يَسْقُطُ عَلَى شَجَرٍ (^١) الزنجبِيل.
وقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْمَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِي مَحَلَّتِهِمْ (^٢) سقوط الثلج، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعُسَلِ، يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَأْخُذُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ؛ فَإِذَا تَعَدَّى ذَلِكَ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ سَادِسِهِ، لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ، أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمَ سَابِعِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِيدٍ لَا يَشَخَّصُ فِيهِ لِأَمْرِ مَعِيشَتِهِ وَلَا يَطْلُبُهُ لِشَيْءٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبَرِّيَّةِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْمِنُّ شَرَابٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلُ الْعُسَلِ، فَيَمْزَجُونَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَشْرَبُونَهُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ -وَسُئِلَ عَنِ الْمَنِّ-فَقَالِ: خُبْزَ الرَّقَّاقِ مِثْلَ الذُّرَّةِ أَوْ مِثْلِ النََّقِيِّ.
وقال أَبُو جَعْفَرُ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: عَسَلُكُمْ هَذَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الْمَنِّ.
وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِنَّهُ الْعَسَلُ.
وَوَقَعَ فِي شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، حَيْثُ قَالَ:
فَرَأَى اللَّهُ أَنَّهُمْ بِمُضِيِّعٍ … لَاَ بِذِي مَزْرِعٍ وَلَاَ مَثْمُورًا
فَسَنَاهَا عَلَيْهِمْ غَادِيَاتٌ … وَتَرَى مُزْنَهُمْ خَلَايًا وَخَوْرَا
عَسَلًا نَاطِفًا وَمَاءُ فِرَاتًا … وَحَلِيبًا ذَا بَهْجَةٍ مَرْمُورًا (^٣)
1 في ط: "الشجرة"، وفي ب: "الشجر".
2 في أ: "في نخلتهم".
3 الأبيات في تفسير الطبري (٢/ ٩٤، ٩٥).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout