وقَوْله تَعَالَى: (وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) قال ابْنُ جَرِيرِ: وَفِي الَّذِي فَعَلْنَا بِكُمْ مِنْ إِنْجَائِنَا إِيَّاكُمْ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ عَذَابِ آلِ فِرْعَوْنَ بَلَاَءً لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. أَيْ: نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ (^١).
وقال علي بنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي] (^٢) قوله: (بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) قال: نعْمَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) قَال: نعْمَةُ مِنْ رَبَّكُمْ عَظِيمَةً. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَأَبُو مَالِك، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَأَصْلُ الْبَلاَءِ: الِاخْتِبَارَ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعْراف: ١٦٨].
قال ابن جرِير: وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي الشَّرِّ: بِلُوتِهِ أَبَلُوهُ بَِلاءً، وَفِي الْخَيْرِ: أَبْلِيْهِ إِبْلَاَءٌ وَبَلَاَءً، قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمِى:
جزى الله بِالإِحْسَانِ مَا فََعَلا بِكَُم … وَأَبْلَاَهُمَا خََيْرَ البَلاَءِ الَّذِي يَبْلُو (^٣)
قال: فجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ فَأَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا خَيْرَ النِّعَمِ الَّتِي يََخِْتَِبِرُّ بِهَا عِبَادَهُ.
[وَقِيل: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ) إِشَارَةُ إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهَيَّنِ مِنْ ذَبْحِ الْأَبْنَاءِ وَاسْتِحْيَاءِ النِّسَاءِ؛ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَلَفْظُهُ بَعْدَمَا حَكَى الْقَوْلُ الْأَوَّلَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْإِشَارَةُ إِلَى الذَّبْحِ وَنَحْوِهِ، وَالْبَلَاءِ هَاهُنَا فِي الشَّرِّ، وَالْمَعْنَى فِي الذَّبْحِ مَكْرُوهٌ وَامْتِحَانٌ] (^٤).
وقوله تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) مَعْنَاهُ: وَبَعْدَ أَنْ أَنْقِذْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَخَرَجْتُمْ مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَاَمُ، خَرَجَ (^٥) فرعَون فِي طَلَبِكُمْ، فَفَرَّقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ مُفَصَّلًا (^٦) كمَا سَيَأْتِي فِي مَوَاضِعِهِ (^٧) وَمَنْ أَبْسَطَهَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّه.
(فَأَنْجَيْنَاكُمْ) أي: خلصناكُم مِنْهُمْ، وَحَجَزْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَأَغْرَقْنَاهُمْ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشْفَى لِصُدُورِكُمْ، وَأَبْلَغُ فِي إِهَانَةِ عَدُوِّكُمَ.
قَالَ (^٨) عبد الرَّزاق: أَنْبَأَنَا مََعَْمِرٍّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهَِمِْدَانِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: (وَإِِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) إلى قوله: (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) قال: لما خَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقَالَ: لاَ تَتْبِعُوهُمْ حَتَّى تَصِيحَ الدِّيكَةُ. قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا صَاحَ لَيْلْتَّئِذٍ دِيْكُ
1 في جـ: "أي نعمة عليكم عظيمة في ذلك".
2 زيادة من جـ، أ.
3 البيت في تفسير الطبري (٢/ ٤٩).
4 زيادة من جـ، ط، أ، و.
5 في جـ: "وخرج".
6 في جـ: "مفصلا عن ذلك".
7 في جـ: "مفصلا".
8 في جـ، ط: "وقال".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout