وَقَالَ قَتَادَةُ: قَوْله تَعَالَى: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) يَقُول: لَمَ يَصِمُوا عَنِ الْحَقِّ وَلَمْ يَعْمُوا فِيهِ، فَهُمَ -وَاَللَّهُ -قَوْم عَقِلُوا عَنِ اللَّهِ (^١) وانْتَفَعُوا بِمَا (^٢) سَمِعُوا مِنْ كِتَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَُمِْرَانِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عََوْنٍ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ قُلْت: الرَّجُلُ يَرَى الْقَوْمَ سُجُودًا وَلَمْ يَسْمَعْ مَا سَجَدُوا، أَيَسْجُدُ مَعَهُمْ؟ قَالَ: فَتْلاَ هَذِهِ الآيَةَ: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) يعَنِي: أَنَّهُ لاَ يَسْجُدُ مَعَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَدَبَّرْ آيَةُ السَّجْدَةِ (^٣) فَلا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ إِمْعَةً، بَلْ يَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَيُقِينُ وَاضِحٌ بََيِّن.
وقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) يَعَنِي: الذِينَ يَسْأَلُونَ اللَّهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ مَنْ يُطِيعُهُ وَيُعْبُدُهُ وَحْدَهُ لَاَ شَرِيكَ لَهُ.
قَال ابْنُ عَبَّاس: يَعْنُونَ مَنْ يَعْمَلُ بِالطَّاعَةِ، فَتَقَرَُّّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ صَبَاحَةً وَلَاَ جَمَالًا وَلَكِنْ أَرَادُوا أَنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -وَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ -فَقَالَ: أَنْ يَُرِيَ اللَّهُ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَمِنْ أَخِيهِ، وَمِنْ حَمِيمِهِ طَاعَةَ اللَّهِ. لَا وَاَللَّهِ مَا شَيْءَ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَرَى وَلَدًا، أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ، أَوْ أَخًا، أَوْ حَمِيمًا مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج فِي قَوْله: (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) قَال: يَعْبُدُونُكَ وَيُحْسِنُونَ (^٤) عِبادَتُك، وَلاَ يَجُرُّونَ عَلَيْنَا الْجَرَائِرُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يَعْنِي: يَسْأَلُونَ اللَّهَ لِأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْمَر (^٥) بن بشر (^٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ يَوْمًَا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: طُوبِى لَهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم! لَوَدَّدِنَا أَنَا رَأَيْنَا مَا رَأَيْت، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتُ. فَاسْتَغْضَبَ، فَجَعَلْتُ أَعْجِبُُ، مَا قَالَ إِلاَّ خَيْرًَا! ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا يَحْمِلُ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مََحْضَرًا غَيبَهُ اللهُ عنه، لاَ يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ فِيهِ؟ وَاَللَّهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامٌ أَكْبََّهم اللَّهُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ، لَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوْ لَاَ تُحْمَدُونَ اللَّهَ إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَاَ تَعْرِفُونَ إِلَّاَّ رَبَّكُمْ مُصَدِّقِينَ لَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ، قَدْ (^٧) كُفيتِمُ الْبَلاَءُ بِغَيْرِكُمْ؟ لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بَعَثَ عَلَيْهَا نَبِيًٌّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي فِتْرَةٍ مِنْ جَاهِلِيَّةَ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ دَيْنًا أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. فَجَاءَ بِفُِرِقَانِ فََرَقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَفَِرَقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهُ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لِيَرَى وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ، أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ قَُفَْل قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ دَخَلَ
1 في أ: "الحق".
2 في أ: "مما".
3 في ف، أ: "أمر السجدة".
4 في أ: "فيحسنون".
5 في هـ، ف، أ: "معمر" والمثبت من المسند.
6 في أ: "بشير".
7 في ف، أ: "وقد".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout