وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَةً إلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، فَتَحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبَ، لِأَنَّ هَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ، ثُمَّ قَدْ قَالَ [اللَّه] (^١) تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّساء: ٤٨،١١٦].
وقد ثبتَت السَّنَةُ الصَّحِيحَةُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، كَمَا ذُكِرَ مُقَرَّرًا مِنْ قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ثُمَّ تَابَ، وَقَبِلَ مِنْهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
وَقَوْله: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا): فِي مَعْنِى قَوْلِهِ: (يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) قولان:
أحدهمَا: أَنَّهُمْ بَدَلُوا مَكَانَ عَمَلِ السَّيِّئَاتِ بِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) قال: هم الْمُؤْمِنُون، كَانُوا مِنْ قِبَلِ إِيمَانِهِمْ عَلَى السَّيِّئَاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَحَوََّلهُمُ إِلَى الْحَسَنَاتِ، فَأَبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ.
وَرَوِى مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَنْشَدُ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ:
بُدّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَريفا (^٢) … وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجِيفَا (^٣)
يعنِي: تَغِيرَتُ تِلْكَ الأَحْوَالُ إِلَى غَيْرِهَا.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هَذَا فِي الدُّنْيَا (^٤)، يَكُونُ الرَّجُلُ عَلَى هَيْئَةَ قَبِيحَةً، ثُمَّ يُبْدِلُهُ اللَّهُ بِهَا خَيْرًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَبْدَلُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ عِبَادَةُ اللَّهِ، وَأَبْدَلَهُمْ (^٥) بقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ نِكَاحُ الْمُؤْمِنَاتِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ الْعَمَلُ الصَّالِحَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِالشِّرْكِ إِخْلَاصًا، وَأَبْدَلَهُمْ بِالْفُجُورِ إِحْصَانًا وَبِالْكُفْرِ إِسْلَامًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةُ، وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةَ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِ التَّوْبَةِ النُّصُوحِ حَسَنَاتٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ مَا مَضَى نَدَمَ وَاسْتَرْجِعَ وَاسْتَغْفِرَ، فَيَنْقَلِبُ الذَّنْبُ طَاعَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ وَيَنْقَلِبُ حَسَنَةً فِي صَحِيفَتِهِ، كَمَا ثَبَتَتْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ السَّلَفِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى -وَهَذَا سِيَاقُ الْحَدِيثِ -قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوََيَْد، عَنْ أَبِي ذَر، رَضِيَ اللَّهُ عنه، قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنِّي لَأَعْرِفُ آخَرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وَآخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ: يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُولُ: نََحّوا كِبَّارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُّوهُ عَنْ صِغَارِهَا، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتُ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا، وَعَمِلْتُ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ -لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا -
1 زيادة من ف، أ.
2 في أ: "صريفا".
3 البيت في تفسير الطبري (١٩/ ٣٠).
4 في أ: "هذا يكون في الدنيا".
5 في ف: "وبدلهم".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout