فَفِي هَذَا كُلِّهِ تَبْيِينُ عَجْزِ الْعِبَادِ وَاخْتِلَافِ آرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْكَامِلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ، وَتَدْبِيرُهِ لِخَلْقِهِ (^١) تعَالَى وَتَقَدُّسُ، فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.
ثم قَالَ: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) يعني: الْقُرآن، (فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ).
وقوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا): قال الحَسن: أَجْرا. وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلا (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) أَيُّ أَنْتَ لاَ تَسْأَلْهُمْ أُجْرَةٌ وَلَاَ جَعْلًا وَلَاَ شَيْئًا عَلَى دَعْوَتِكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الْهُدَىِ، بَلْ أَنْتَ فِي ذَلِكَ تُحْتَسِبُ عِنْدَ اللَّهِ جَزِيلٌ ثَوَابَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وقال: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠، ٢١].
وقوله: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) قَال الإِمامِ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَان، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَِهِْرَانِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ -فِيمَا يَرَى النَّائِمُ-مَلْكَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَالْآخَرُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ: اضْرِبْ مَثَل هَذَا وَمِثْلُ أَمَتِهِ. فَقَالَ: إِنَّ مََثَلَه وَمِثْلَ أَمَتِهِ، كَمِثْلِ قَوْمٍ سُفَْر انْتَهَوْا إِلَى رَأْسِ مَِفََازَّةَ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مِنْ الزَّادِ مَا يَقْطَعُونَ بِهِ الْمَفَازَةَ وَلَاَ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ، فَبَيَّنَا (^٢) هم كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ رَجُلٌ فِي حُلَّةِ حِبْرَةَ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ وَرَدْتُ بِكُمْ رِيَاضًا مَعَشَبَةً، وَحَيَاضًا رَوَاءً تَتَّبِعُونِي؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَأَوْرَدَهُمْ رِيَاضًا مَعْشَبَةً وَحَيَاضًا رَوَاءً، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا وَسَمِنُوا فَقَالَ لَهُمْ: أَلَمْ أَلْفَكُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَجَعَلْتُمْ لِي إِنْ وَرَدَتُ بِكُمْ رِيَاضًا مَعْشَبَةً وَحَيَاضًا رَوَاءً أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ قَالُوا (^٣): بلى، قَال: فَإِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ رِيَاضًا أَعْشَبُ مِنْ هَذِهِ، وَحَيَاضًا هِيَ أَرْوَى مِنْ هَذِهِ، فَاتَّبَعُونِي. قَالَ: فَقَالَتْ طَائِفَةُ: صُدِّقَ وَاَللَّهِ، لَنَتَبِعَنَّهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةُ: قَدْ رَضِينَا بِهَذَا نُقِيمٌ عَلَيْهِ (^٤).
وقال الحَافِظ أَبُو يَعْلَى الْمُوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَشْعَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إِنِّي مُمْسِكٌ بِحَجْزِكُمْ: هَلُمَّ عن النَّار، هَلِمُّ عَنِ النَّارِ، وَتَغْلِبُونِي وَتَقَاحِمُونَ فِيهَا تَقَاحُِم الْفِرَاشِ وَالْجَنَادِبُ، فَأَوْشَكَ أَنْ أَرْسَلَ حَجَزَكُمْ وَأَنَا فَِرَطكم عَلَى الْحَوْضِ، فَتَرُدُّونَ عَلَيَّ مَعًا وَأَشْتَاتَا، أَعْرِفُكُمْ بِسِيْمَاكُمْ وَأَسْمَائِكُمْ، كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ الْغَرِيبَ مِنَ الإِبِلِ فِي إبِلِهِ، فِيُذْهَب بِكُمْ ذَاتِ الْيَمِينِ وَذَاتُ الشِّمَالِ، فَأَنَاشِدَ فِيكُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ: أَيْ رَبِّ، قَوْمِي، أَيْ رَبِّ أُمَّتِي.
1 في ف: "بخلقه".
2 في أ: "فبينما".
3 في أ: "فقالوا".
4 المسند (١/ ٢٦٧).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout