وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُِرَِّظِيُّ: ابْتَدأ الله خلق إِبْلِيسَ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، وَعَمِلَ بِعَمَلِ الْمَلاَئِكَةِ، فَصَيَّرُهُ إِلَى مَا أَبْدَى عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنَ الْكُفْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)
وقال بعض النَّاس: كَانَ هَذَا سُجُودُ تَحِيَّةٍ وَسَلَامٍ وَإِكْرَامٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ُوَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وَقَدْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَلَكِنَّهُ نَسِخٌ فِي مُلَّتِنَا، قَالَ مُعَاذٌ (^١): قدمْتُ الشَّامُ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لَأَسَاقِفَتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يَسْجُدَ لَكَ، فَقَالَ: "لا لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمِرَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عَظْمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا" (^٢) وَرَجَّحَهُ الرَّازِي، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَتْ السَّجْدَةُ لِلَّهِ وَآدَمُ قِبْلَةً فِيهَا كَمَا قَالَ: ﴿أََقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإِسراء: ٧٨] وَفِي هَذَا التَّنْظِيرِ نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَوْلَى، وَالسَّجْدَةُ لِآدَمَ إكْرَامًًا وَإِعْظَامًٌا وَاحْتِرَامًًا وَسَلَامًٌا، وَهِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهَا امْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَوَّاهُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَضَعْفِ مَا عَدَاهُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَهُمَا كَوْنُهُ جُعَلَ قِبْلَةً إذْ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَرَفٌ، وَالْآخَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّجُودِ الْخُضُوعُ لَا الِانْحِنَاءُ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ.
قُلت: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ كِبَرَ" (^٣) وَقَدْ كَانَ فِي قَلْبِ إِبْلِيسَ مِنَ الْكِبَرِ -وَالْكُفْرِ -وَالْعِنَادُ مَا اقْتَضَى طَرْدَهُ وَإِبْعَادُهُ عَنْ جَنَابِ الرَّحْمَةِ وَحَضْرَةِ الْقَدْسِ؛ قَالَ بَعْضُ الْمُعَرِبِينَ: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ أَيْ: وَصَارَ مِنَ الْكَافِرِينَ بِسَبَبِ امْتِنَاعِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وقال ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال الشَّاعِرُ:
بتِيهَاءُ قَفَرَ وَالْمَطِيُّ كَأَنَّهَا … قَطَا الْحُزْنُ قَدْ كَانَتْ فِرَاخًا بِيُوضَهَا
أَيْ: قَدْ صَارَتْ، وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: تَقْدِيرُهُ: وَقَدْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَذَكَرَ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ فَقَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا مَنْ أَظْهَرِ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيِّ كَرَامَاتٍ وَخُوَارِقَ لِلْعَادَاتِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَالًا عَلَى وِلَايَتِهِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ هَذَا لَفْظُهُ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا قَالَ: بِأَنَّا لَاَ نَقْطَعُ بِهَذَا الَّذِي جَرَى الْخَارِقُ عَلَى يَدَيْهِ أَنَّهُ يُوَافِي اللَّهَ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ لَا يُقْطَعُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ، يَعْنِي وَالْوَلِيُّ الَّذِي يُقْطَعُ لَهُ بِذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
قُلْت: وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخَارِقَ قَدْ يَكُونُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِ الْوَلِيِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عَلَى يَدِ الْفَاجِرِ وَالْكَافِرِ، أَيْضًا، بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ صِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الدَّخُّ حِينَ خَبَأَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّم: ﴿فََارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدَّخان: ١٠]، وَبِمَا كَانَ يَصْدُرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَمْلَأُ الطَّرِيقَ إِذَا غَضَبَ حَتَّى ضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَبِمَا ثَبَتَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنِ الدَّجَّالِ بِمَا يَكُونُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْخَوَارِقِ الْكَثِيرَةِ مِنْ أَنَّهُ يَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تَمْطِرَ فَتَمَطَّرَ، وَالْأَرْضُ أَنْ تَنْبُتَ فَتَنْبَتَ، وَتَتْبِعُهُ كَنُوزِ الْأَرْضِ
1 في و: "معاوية".
2 رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٢٧).
3 صحيح مسلم برقم (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout