قَالَ: وَصَحَّ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: قُتِل الْجَيْشُ وَهُُزِمُوا، وَإِنَّمَا قَتَلَ الْوَاحِدُ أَوْ الْبَعْضَ، وَهَزَمَ الْوَاحِدُ أَوْ الْبَعْضَ، فَيَخْرُجُ الْخَبَرُ عَنْ الْمَهْزُومِ مِنْهُ وَالْمَقْتُولُ مَخْرَجُ الْخَبَرِ عَنْ جَمِيعِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الْحُجَرات: ٤] ذَكُر أَنَّ الَّذِي نَادَى إِنَّمَا كَانَ وَاحِدًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِِلا إِِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.
وهذه كرامَةُ عَظِيمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِآدَمَ امْتَنَّ بِهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ، حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَحَادِيثُ -أَيْضَا-كَثِيرَةً مِنْهَا حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَحَدِيثُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "رَبِّ، أَرَنِي آدَمَ الَّذِي أَخْرَجْنَا وَنَفْسََهُ مِنَ الْجَنَّةِ"، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ قَالَ: "أَنْتِ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ (^١) الله بيده، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتُهُ". قَالَ … وَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كَُرَِيب، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَشْْرُ بْنُ عَُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رُوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حََيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَاَئِكَةِ يُقَالُ لَهُمْ: الْجِِنّ، خَلَقُوا مِنْ نَارِ السّمُومِ، مِنْ بَيْنِ الْمَلاَئِكَةِ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثُ، وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَانِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَخَلِقْتُ الْمَلَاَئِكَةُ كُلُّهُمْ مِنْ نُورٍ غَيْرِ هَذَا الْحَيِّ، قَالَ: وَخَلَقْتُ الْجِنَّ الَّذِينَ ذَكَرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، [وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا لَهِبَتْ قَالَ: وَخَلْقَ الْإِنْسَانُ مِنْ طِينٍ] (^٢). فَأَولُ مَنْ سَكَنَ الأَرْضَ الْجِنَّ فَأَفْسِدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسَ فِي جُنْدٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ -وَهُمْ هَذَا الْحَيُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُمْ: الْجِنّّ -فَقَتَلَهُمْ إِبْلِيسُ وَمَنْ مَعَهُ، حَتَّى أَلْحَقَهُمْ بِجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَأَطْرَافِ الْجِبَالِ، فَلَمَّا فَعَلَ إِبْلِيسُ ذَلِكَ اغْتََرّ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: قَدْ صَنَعْتُ شَيْئًا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ. قَالَ: فَاطَّلَعُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَاَئِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ: ﴿إِِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فَقَالَتُ الْمَلاَئِكَةُ مُجِيبَيْنِ لَهُ: ﴿أََتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما أَفْسَدَتُ الْجِنُّ وَسَفَكَتُ الدُّمَاءَ، وَإِنَّمَا بَعَثْتُنَا عَلَيْهِمْ (^٣) لذلك؟ فقَال: ﴿إِِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ يَقُول: إِنِّي قَدْ اطَّلَعْتُ مَنْ (^٤) قلب إِبْلِيسَ عَلَى مَا لَمْ تَطْلِعُوا عَلَيْهِ مِنْ كِبَرِهِ وَاغْتِرَارِهِ، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِتُرْبَةِ آدَمَ فَرَفَعَتَ، فَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ -وَاللَّازِبُ: اللَّزجُ الصَّلْبُ (^٥) مِنْ حَمَإِ مَسْنُونٍ مُنْتِنِ، وَإِنَّمَا كَانَ حَمَأ مَسْنُونًا بَعْدَ التُّرَابِ. فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَمَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً جَسَدًا مُلْقًى. فَكَانَ إِبْلِيسُ يَأْتِيهِ فَيَضْرِبُهُ بِرِجْلِهِ، فَيُصَلِّصِلُ، أَيْ فَيَصُوتُ. قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] يَقُول: كَالشَّيْءِ الْمُنْفَرِجُ الَّذِي لَيْسَ
1 في ب، أ، و: "خلقك".
2 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
3 في جـ: "إليهم".
4 في جـ: "على".
5 في ب، أ، و: "الطيب".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout