وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (^١) والضحاك، وَغَيْرُ وَاحِدٌ: هُمُ الْحُرُورِيَّةُ.
وَمَعْنَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَشْمَلُ الْحُرُورِيَّةَ كَمَا تَشْمَلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ، لَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ عَلَى الْخُصُوصِ وَلَا هَؤُلَاَءِ (^٢) بل هِي أَعَمُّ مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِيَّةٌ قَبْلَ خِطَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقَبْلَ (^٣) وُجُودُ الْخَوَارِجُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلٍّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ يُحْسَبُ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيهَا، وَأَنَّ عَمَلَهُ مَقْبُولً، وَهُوَ مُخْطِئٌ، وَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشِية: ٢ - ٤] وقوله (^٤) تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقَال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩].
وقال في هذه الآيَةِ الْكَرِيمَةُ: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ) أي: نخْبَرُكُمُ (بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا)؟ ثم فَسَّرَهُمْ فَقَالَ: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أيِّ: عَمِّلُوا أَعْمَالا بَاطِلَةً عَلَى غَيْرِ شَرِيعَةَ مَشْرُوعَةٍ مَرْضِيَّةٍ مَقْبُولَةً، (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) أَي" يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَأَنَّهُمْ مَقْبُولُونَ مَحْبُوبُونَ.
وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ) أي: جَحَدُوا آيَاتُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، وَبَرَاهِينَهُ الَّتِي أَقَامَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَصَدَّقَ رُسُلُهُ، وَكَذَّبُوا بِالدَّارِ الآخِرَةِ، (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) أَيُّ: لا نُثْقِلُ مَوَازِينُهُمْ؛ لِأَنَّهَا خَالِيَّةٌ عَنِ الْخَيْرِ (^٥).
قال البخارِي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو الزَِّّنَاد، عن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّهُ لَيَأْتِيَ الرَّجُلُ الْعَظِيمَ السَّمِينَ (^٦) يَوم الْقِيَامَةِ، لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جُنَاحٌ بِعِوْضَةَ" وَقَالَ: "اقْرُؤُوا إِنْ شِئْتُم: (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا).
وعن يَحْيَى بْنُ بُكَيْر، عَنْ مُغِيْرَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، مِثْلُهُ (^٧).
هكذا ذكره عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ مُعَلَّقًا (^٨). وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، بِهِ (^٩).
وقال ابن أَبِي حَاتِمِ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى الَّتَّوْأُمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْأَكُولِ الشُّرُوبُ الْعَظِيمِ، فَيُوزَنُ بِحَبَّةٍ فَلَاَ يَزِنُّهَا". قَالَ: وَقَرَّأ: (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)
وكذا رواهُ ابْنُ جَرِيرِ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي الصَّلْتِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى
1 في ت: "طلحة".
2 في أ: "هو".
3 في ت: "وقيل".
4 في ت، ف، أ: "وقال".
5 في ت: "من الخير".
6 في ت: "السمين العظيم".
7 صحيح البخاري برقم (٤٧٢٩).
8 في ت: "مغلقا".
9 صحيح مسلم برقم (٢٧٨٥).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout