﴿وََيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾
يقول تعالى لنبِيه صلى الله عليه وسلم: (وَيَسْأَلُونَكَ) يا مُحَمَّدُ (عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) أيُّ: عن خَبَرِه. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ بَعَثَ كُفَّارَ مَكَّةَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ يَسْأَلُونَ (^١) مِنْهُمْ مَا يَمْتَحِنُونَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَافٌ فِي الأَرْضِ، وَعَنْ فَتْيَةٍ لَاَ يُدْرَى مَا صَنَعُوا، وَعَنِ الرُّوحِ، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْكَهْفِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا، وَالْأَمْوِيُّ فِي مَغَازِيهِ، حَدِيثًا أَسْنَدَهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ نَفَرًَا مِنَ الْيَهُودِ جَاؤُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذِي الْقَرَنَيْنِ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا جَاؤُوا لَهُ ابْتِدَاءً، فَكَانَ فِيمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ: "أَنَّهُ كَانَ شَابًّا (^٢) من الرُّومِ، وَأَنَّهُ بَنَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَنَّهُ عَلَا بِهِ مِلْكٌ فِي السَّمَاءِ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى السُّدِّ، وَرَأَى أَقْوَامًٍا وُجُوهَهُمْ مِثْلَ وُجُوهِ الْكِلَابِ". وَفِيهِ طُولٌ وَنَكَارَةٌ، وَرَفْعُهُ لَاَ يَصِحُّ، وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا زُرْعَة الرَّازِي، مَعَ جَلاَلَةِ قَدْرِهِ، سَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِهِ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ غَرِيبٌ مِنْهُ، وَفِيهِ مِنْ النَّكَارَةِ أَنَّهُ مِنَ الرُّومِ، وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ مِنَ الرُّومِ الإِسْكَنْدَرِ الثَّانِي ابْنُ فَيْلِيبَسَ الْمَقْدُونِيُّ، الَّذِي تُؤَرَّخُ بِهِ الرُّومُ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوَّلَ مَا بَنَاهُ وَآمِنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، وَكَانَ مَعَهُ (^٣) الخضر، عليه السلام، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ، إِسْكَنْدَرُ بْنُ فَيْلِيبَسَ الْمَقْدُونِيُّ الْيُونَانِيُّ، وَكَانَ وَزِيْرُهُ أَرْسُطَاطَالِيسُ الْفَيْلَسُوفَ الْمَشْهُورَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُوَ الَّذِي تُؤَرَّخُ بِهِ مِنْ مَمْلَكَتِهِ مِلَّةَ الرُّومِ. وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِنَحْوِ مِنْ ثَلَثُمِائَةٍ سَنَةً، فَأَمَّا الْأَوَّلُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ فَكَانَ فِي زَمَنِ الْخَلِيلِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَنَّهُ طَافَ مَعَ الْخَلِيلِ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ لِمَا بَنَاهُ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَرِّبَ إِلَى اللَّهِ قُرْبَانًِا، وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًًا (^٤) مِنْ أَخْبَارِهِ فِي كِتَابِ "الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ" (^٥)، بما فِيهِ كِفَايَةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدَ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ مِلَكًا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّ؛ صَفْحَتَيْ رَأْسَهُ كَانَتَا مِنْ نُحَاسٍ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ: لِأَنَّهُ مَلَكُ الرُّومِ وَفَارِسٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ فِي رَأْسِهِ شِبْهَ الْقَرْنَيْنِ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيًّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ ذِي الْقَرَنَيْنِ، فَقَالَ: كَانَ عَبْدًا نَاصِحٌَ اللَّهُ فَنَاصَِحََه، دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ (^٦) على قَرْنه فَمَاتَ، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ، فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَمَاتَ، فَسُمِّيَ ذَا الْقَرَنَيْنِ.
وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بََزَّة عَن أَبِي الطُّفَيْلِ، سَمِعَ عَلِيًٌّا يَقُولُ ذَلِكَ.
وَيُقَال: إِنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ الْمَشَارِقُ وَالْمَغَارِبُ، مِنْ حَيْثُ يَطَّلِعُ (^٧) قرن الشَّمْسِ وَيَغْرَبُ.
﴿إِِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾.
وقوله (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ) أيِّ: أَعْطَيْنَاهُ مَلَكًًا عَظِيمًٌا مُتَمَكِّنًٌا، فِيهِ لَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا يُؤْتَى (^٨) الْمُلُوك، مِنَ التَّمْكِينِ وَالْجُنُودِ (^٩)، وآلاَتِ الْحَرْبُ وَالْحَصَارَاتُ؛ وَلِهَذَا مِلَكَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبُ مِنْ الأَرْضِ، وَدَانَتْ لَهُ الْبِلَادُ، وَخَضِعَتْ لَهُ مُلُوكَ الْعِبَادِ، وَخِدْمَتُهُ الْأُمَمَ، مِنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ
1 في ت: "يسألونك".
2 في ت: "ماشيا".
3 في أ: "وكان وزيره".
4 في ف، أ: "طرفا صالحا".
5 البداية والنهاية (٢/ ٩٥).
6 في ت، ف، أ: "فضرب".
7 في ت، ف: "تطلع".
8 في ف: "تؤتى".
9 في ف: "من الجنود والتمكن".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout