صِلَةُ بْنُ زُفَر، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يَسْمَعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفِذُهُمْ الْبَصَرُ، حَفَاةً عَُرَاةٍ كَمَا خَلَقُوا قِيَامًًا، لاَ تَكَلِّمُ نَفْسٌ إِلَّاَّ بِإِذْنِهِ، يُنَادَى: يَا مُحَمَّدُ، فَيَقُولُ: "لبَيْكُ وَسَعْدََيَكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرِّ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّّ مَنْ هَدَيْت، وَعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَبِكَ وَإِلَيْكَ، لاَ مَنَجِى وَلَاَ مُلْجَأَ مِنْكَ إِلَّاَّ إِلَيْكَ، تَبَارَكَتْ وَتَعَالَيْتُ، سُبْحَانَكَ رَبُّ الْبَيْتِ". فَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (^١) (^٢).
ثم رواه عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ (^٣). وكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَالثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ (^٤).
وقال ابن عباس: هَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ مَقَامَ الشَّفَاعَةِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي نََجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنْشُقُ عَنْهُ الْأَرْضُ (^٥)، وأَول شَافِع، وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّهُ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ اللَّه: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)
قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسَلَّم تَسْلِيمًُا تَشْرِيفَاتِ [يَوْمَ الْقِيَامَةِ] (^٦) لا يُشْرِكُهُ فِيهَا (^٧) أَحد، وَتَشْرِيفَاتٌ لَاَ يُسَاوِيهِ فِيهَا أَحَدٌ؛ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُ عَنْهُ الْأَرْضُ (^٨) وَيَبْعَثُ رَاكِبًا إِلَى الْمُحْشَرِ، وَلَهُ اللِّوَاءُ الَّذِي آدَمَ فَمَنْ دُُوَنََه تَحْتَ لِوَائِهِ، وَلَهُ الْحَوْضُ الَّذِي لَيْسَ فِي الْمَوْقِفِ أَكْثَرُ وَارِدًًا مِنْهُ، وَلَهُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَىُّ عِنْدَ اللَّهِ لِيَأْتِيَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا يَسْأَلُ النَّاسَ آدَمَ ثُمَّ نُوحًَا ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ مُوسَى ثُمَّ عِيسَى، فَكُلُّ يَقُولُ: "لسِّتُّ لَهَا" حَتَّى يَأْتُوا إِلَى مُحَمَّدٍ (^٩) صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُ: "أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا" كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَشْفَعُ فِي أَقْوَامٍ قَدْ أُمَرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَيَرُدُّونَ عَنْهَا. وَهُوَ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ يَقْضِي بَيْنَ أَمَتِهِ، وَأَوَّلِهِمْ إجَازَةٌ عَلَى الصِّرَاطِ بِأَمَتِهِ. وَهُوَ أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَفِي حَدِيثِ الصُّوَرِ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلُّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا بِشَفَاعَتِهِ وَهُوَ أَوَّلُ دَاخِلٍ إلَيْهَا وَأَمَتِهُ قَبْلَ الْأُمَمِ كُلُّهُمْ. وَيَشْفَعُ فِي رَفْعِ دَرَجَاتِ أَقْوَامٍ لَا تَبْلُغُهَا أَعْمَالُهُمْ. وَهُوَ صَاحِبُ الْوَسِيلَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَلِيقُ إِلَّاَّ لَهُ. وَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّفَاعَةِ لِلْعُصَاةِ (^١٠) شفع (^١١) الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَشْفَعُ هُوَ فِي خَلَائِقَ لَا يَعْلَمُ عِدَّتُهُمْ (^١٢) إلا الله، وَلا يَشْفَعُ أَحَدٌ مِثْلِهِ وَلَا يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ بَسَطْتُ ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي آخِرِ كِتَابِ "السِّيرَةِ" فِي بَابِ الْخَصَائِصِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمَنَّةَ.
1 في أ، ف: "الله تعالى".
2 تفسير الطبري (١٥/ ٩٧).
3 تفسير الطبري (١٥/ ٩٧) والرواية كما هي عند الطبري: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر "غندر" فلعله سبق نظر.
4 تفسير الطبري (١٥/ ٩٨).
5 في ت: "تنشق الأرض عنه".
6 زيادة من ف، أ.
7 في ت: "فينا".
8 في ت: "الأرض عنه".
9 في أ، ف: "يأتوا محمدا".
10 في ت، ف: "في العصاة".
11 في أ: "تشفع".
12 في ت: "عددهم".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout