وَقَوْلُهُ: (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) يَقَول: وَاحْمِلْ عَلَيْهِمْ بِجُنُودِكَ خََيَّالتهم ورَجْلتَهم (^١)؛ فإِن "الرّجْل" جمع "راجِل"، كما أَنَّ "الرُّكِبَ" جَمَعَ "رَاكِب" و"صحِب" جَمَعَ "صاحِب".
ومَعْنَاهُ: تَسَلِّطُ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ مَا تَقَدْرِعَلِيْهِ. وَهَذَا أَمْرٌ قَدْرِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أََلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مرِيم: ٨٣] أي: تَزَعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًُا، وَتَسَوَّقُهُمْ إِلَيْهَا (^٢) سوقًا. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) قال: كل راكِب وَمَاشَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ لَهُ خَيْلًا وَرِجَالًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَهُمْ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ.
وَتَقُولُ الْعَرَبُ: "أَجْلَبُ فُلَاَنٌ عَلَى فُلَاَنٍ": إِذَا صَاحَ عَلَيْهِ. وَمِنْهُ: "نَهَى فِي الْمُسَابَقَةِ عَنِ الْجَِلَب والجَِنَب" وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ "الْجَلْبَةِ"، وَهِيَ ارْتِفَاعُ الأَصْوَاتِ.
وَقَوْله: (وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأَولادِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ إِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِي مَعَاصِي اللَّهِ.
وَقَالَ عَطَاءً: هُوَ الرِّبَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: [هو] (^٣) جَمعها مِنْ خَبِيْثٍ، وَإِنْفَاقُهَا فِي حَرَامٍ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ.
وَقَالَ الْعُوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَمَّا مُشَارَكَتُهُ إِيَّاهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَهُوَ مَا حَرَّمُوهُ مِنْ أَنْعَامِهِمْ، يَعْنِي: مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَنَحْوِهَا. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ.
[ثم] (^٤) قال ابنُ جَرِير: وَالْأَوْلَىُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ ذَلِكَ كُلُّهُ.
وَقَوْله: (وَالأَولادِ) قَالَ الْعُوفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكِ: يَعْنِي أَوْلَادَ الزِّنَا.
وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ مَا كَانُوا قَتَلُوهُ مِنْ أَوْلَاَدِهِمْ سَفَهًَا بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: قَدْ وَاَللَّهِ شَارَكَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ مََجَّسُوا وَهُودُوا وَنَصّروا وَصَبَغُوا غَيْرَ صَبْغَةِ الإِسْلَاَمِ، وَجََزَّؤوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ جُزْءًًا لِلشَّيْطَانِ (^٥) وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ سَوَاءً.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ تَسْمِيَتُهُمْ أَوْلَادُهُمْ "عَبْدُ الْحَارِثِ" وَ"عَبْدُ شَمْسِ" وَ"عَبْدُ فُلاَنِ".
قال ابْنِ جَرِير: وَأَوْلَى الأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ وَلَدَتْهُ أُنْثَى، عَصَى اللَّهُ فِيهِ، بِتَسْمِيَتِهِ مَا (^٦) يُكرههُ الله، أَوْ بِإِدْخَالِهِ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ، أَوْ بِالزِّنَا بِأُمِّهِ، أَوْ بِقَتْلِهِ وَوَأَدِهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُعْصِي (^٧) الله بفعله بِهِ أَوْ فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي مُشَارَكَةِ إِبْلِيسَ فِيهِ مِنْ وَلَدِ ذَلِكَ الْوَلَدُ لَهُ أَوْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخَصَّصْ بِقَوْلِهِ: (وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأَولادِ) مَعْنِى الشَّرِكَةِ فِيهِ بِمَعْنَى دُونَ مَعْنًى، فَكُلُّ مَا عَصِيَ اللَّهُ فِيهِ -أَوْ بِهِ، وَأُطِيَعُ فِيهِ الشَّيْطَانُ -أَوْ بِهِ، فَهُوَ مُشَارَكَةُ.
1 في ت، ف: "ورجالتهم".
2 في ت: "إلينا".
3 زيادة من ف، أ.
4 زيادة من ف، أ.
5 في ف: "الشيطان".
6 في ف: "بما".
7 في ت: "يعفى".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout