وَفِي الْقُرْآنِ غُنْيَةٌ عَنْ كُلّ مَا عَدَاهُ مِنَ الأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَخْلُو مِنْ تَبْدِيلٍ وَزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَقَدْ وَُضِعَ فِيهَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةً. وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمَُتِْقِِنِينَ الَّذِينَ يَنِْفُونَ عَنْهَا تَحْرِيفٌَ الْغََالِِينِ وَانْتِحَالُ الْمُبْطِلِينَ، كَمَا لِهَذِهِ الْأَمَةِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ، وَالسَّادَةِ وَالأَتْقِيَاءِ، وَالْبَرْرَةِ وَالنُّجْبَاءِ، مِنْ الْجَهَابَذَةِ النَّقّْادِ، وَالْحَُفَِّاظ الجِياد، الّذِين دَوَّنوا الْحَدِيثُ وَحَرَّرُوه، وبَيَُّّنوا صَحِيحَهُ مَنْ حََسَنه مِنْ ضَعِيفِهِ، مِنْ مُنْكََرِهِ وَمَوْضُوعِهِ وَمَتْرُوكِهِ وَمَكْذُوبِهِ، وَعَرَّفُوا الْوَضَِّاعِين وَالْكَذَّابِينَ وَالْمَجْهُولِيْنَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الرِّجَالِ. كُلُّ ذَلِكَ صِيَانَةًً لِلْجَنَابِ النَّبَوِيِّّ وَالْمَقَامُ الْمُحَمِّدِيُّّ، خَاتَمَ الرُّسُلِ وَسَيِّدُ الْبَشَرِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَنْ يَُنْسَب إِلَيْهِ كَذَبٌ أَوْ يَُحَدَّثَ عنه بِمَا لَيْسَ مِنْهُ. فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، وَجََعَل جِنّاتِ الْفِرْدُوسُ مَأْوَاهُمْ. وَقَدْ فََعَلَ".
وقال عنْدَ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ (٥١ - ٥٦) مِن سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ، بَعْدَ إِشَارَتِهِ إِلَى حَالِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ أَبِيهِ، وَنَظَرَهُ إِلَى الْكَوَاكِبِ وَالْمَخْلُوقَاتِ -: "وما قَصَّه كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّّرَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، فَعََامَّتُها أَحَادِيثُُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَمَا وَافَقََ مِنْهَا الْحَقُّّ مِمَّا بِأَيْدِيْنَا عَنِ الْمَعْصُومِ قَبِلْناه، لمُوَافَقَتِهِ الصَّحِيحِ، وَمَا خَالَفَ مِنْهَا شَيْئًٌا مِنْ ذَلِكَ رَدََدْنَاهِ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ مُوَافَقَةًٌ وَلَا مُخَالَفَةٌَ، لَاَ نُصْدِّقُهُ وَلَاَ نَكَذَّبُهُ، بَلْ نَجْعَلُهُ وََقْفًا. وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الضَّّرْبِ مِنهَا فَقَدْ رَخَّص كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ فِي رِوَايَتِهِ. وَكَثِيرٌٌ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَاَ فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَاَ حَاصِلََ لَهُ مِمَّا يُُنَْتَِفَع بِهِ فِي الدَّّينَ. وَلَوْ كَانَتْ فَائِدَتُُهُ تَعُودُ عَلَى الْمُكَلَِّّفِينِ فِي دِينِهِمْ لَبّيَّنَتْه هذه الشَّرِيعَةُُ الْكَامِلَةُُ الشَّامِلَةُُ. وَاَلَّذِي نََسْلُكُه فِي هَذَا التَّفْسِيرِ الإِعْرَاضُِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأَحَادِيثِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ تَضْيِيعِ الزَّمَانِ، وَلَمَّا اشْتََمِلَ عَلَيْهِ كَثِيرٌٌ مِنْهَا مِنَ الْكَذِبِ الْمَُرَوَّج عليهم. فَإِنَّهُمْ لَاَ تََفَْرِقَةَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا. كَمَا حَرّره الأَئِمَّةُُ الْحَُفّاظ المُتْقِنُون مَنْ هَذِهِ الأَمَةَ".
وَقَالَ عِنْدَ تَفْسِيرِ الآيَةِ: (١٠٢) من سورَةَ الْبَقَرَةِ: "وَقَدْ رُوِي فِي قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، كَمُجَاهِدٍ وَالسُّّدِي وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةُ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالزُّهْرِيِّ وَالرََّّبَيْعِ بْنُ أَنَسٍ وَمُقَاتِلُ ابْنِ حَيّّانَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَصََّها خُلْقٌ مِنْ الْمُفَسِّّرِينَ، مِنْ الْمُتَقَدِّّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ. وَحَاصِلُُهَا رَاجِعٌ فِي تَفْصِيلِهَا إلَى أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إذْ لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌٌ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ مَتَّّصِلُ الإِسْنَادُ إلَى الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ الْمَعْصُومِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى. وَظَاهِرُُ سِيَاقُ الْقُرْآنِ إجْمَالَُ الْقِصَّةِ مِنْ غَيْرِ بَسْطٍ وَلَا إِطْنَابٍٍ فِيهَا، فَنَحْنُ نُؤْمَِنِ بِمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ".
وَقَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةَ ق: "وَقَدْ رَُوِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: ق، جَبَلَ مَُحِيطًٌ بِجَمِيعِ الْأَرْضِ، يُقَالُ لَهُ جَبَلٌ قَافٍ!!! وَكَأَنَّّ هَذَا -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ-مِنْ خَرَافَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخَذَهَا عَنْهُمْ بَعْضَُ النَّاسِ، لِِمَا رَأََى مِنْ جَوَازِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ مِمَّا لَاَ يُصَدَُّّق وَلاَ يُكَذَّب. وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَِهِ وَأَشْبَاهَُهُ مِنْ اخْتِلَاقِِ بَعْضُ زَنَادِقَتِهِمْ، يَلْبِسُون بهِ عَلَى النَّاسِ أَمْرََ دِينَهُمْ. كَمَا افَّْتُرِيَ فِي هَذِهِ الْأُمَةِ -مَعَ جَلاَلَةِ قَدْرِ عُلَمَائِهَا وَحَُفِّاظِهَا وَأَئِمَّتُهَا-أَحَادِيثُُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَمَا بِالْعََهِْدِ مِنْ قِدَمٍ. فَكَيْفَ بِأَمَةِِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَعَ طُولِ الْمََدََى، وَقِلَّةُ الْحُفَّاظ النُّقَّاد فيهم، وشَرَبَهُمُ الْخُمُورُ، وَتَحْرِيفُ عُلَمَائِِهُمْ الْكَلْمََ عَنْ مََوََاضِعِهِ وَتَبْدِيلُِ كُتُب اللَّهِ وَآيَاتِِهُ. وَإِنَّمَا أَبَاحَ الشَّارِعُُ الرِّوَايَةََ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: "وَحَدَّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَاَ حُرَجٍ" فِيمَا قَدْ يَُجَوِّزُه العقل. فَأَمَّا فِيمَا تَحِِيَلُهُ الْعُقُولُ، وَيُحَْكَم فِيهِ بِالْبُِطَلاَنِ، وَيَغُْلِبُِّ عَلَى الظُّنُونِ كَذَبَُه، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout