وَلَا مُنْفَذٍ، ظَاهِرُهُ كَالْفِضَّةِ الْبَيْضَاءَ، وَبَاطِنُهُ كَالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ، فَبَيَّنَّا هُوَ كَذَلِكَ إذْ انْصَدَعَ جِدَارُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ حَيَوَانٌ سَمِيعٍ بَصِيرٍ ذُو شَكْلٍ حَسَنٍ وَصَوْتٍ مُلِيحٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْبَيْضَةِ إذَا خَرَجَ مِنْهَا الدَّجَاجَةَ.
وَسُئِلَ أَبُو نَوَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْشَدَ:
تَأَمَّلُ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ وَانْظُرْ … إلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكَ
عِيُّونَ مِنْ لِجِينٍ شَاخِصَاتٍ … بِأَحْدَاقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ
عَلَى قَضَبَ الزَّبَرْجِدِ شَاهِدَاتٌ … بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ
وَقَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِ:
فِيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهَ … أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ … تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ تَأَمَّلْ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْكَوَاكِبِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارُ الْمُنِيرَةُ مِنْ السِّيَارَةِ وَمِنْ الثَّوَابِتِ، وَشَاهِدُهَا كَيْفَ تَدُورُ مَعَ الْفَلْكِ الْعَظِيمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دُوَيْرَةٍ وَلَهَا فِي أَنْفُسِهَا سَيْرٌ يَخُصُّهَا، وَنَظَرَ إلَى الْبِحَارِ الْمُلْتَفَةِ لِلْأَرْضِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالْجِبَالُ الْمَوْضُوعَةُ فِي الْأَرْضِ لِتَقَرٍّ وَيَسْكُنُ سَاكِنُوهَا مَعَ اخْتِلَافِ أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا كَمَا قَالَ: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨] وَكَذَلكَ هَذِهِ الأَنْهَارُ السَّارِحَةُ مَنْ قُطَرَ إلَى قِطْرٍ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ وَمَا زَرَأَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْمَتَنَوِّعَةِ وَالنَّبَاتِ الْمُخْتَلِفِ الطُّعُومُ وَالْأَرَايِيحِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ مَعَ اتِّحَادِ طَبِيعَةِ التُّرْبَةِ وَالْمَاءَ، عُلِمَ وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةُ وَحِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ بِخَلْقِهِ وَلَطْفَهُ بِهِمْ وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِمْ وَبَرَّهُ بِهِمْ لَا إلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتْ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ، وَالْآيَاتُ فِي الْقُرْآنِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ كَثِيرَةٌ جِدًا.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِِّقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾
ثم شرع تَعَالَى فِي تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ (^١) لا إله إلا هو، فَقَالَ مُخَاطَبًٌا لِلْكَافِرِينَ: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) يَعَنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأْتُوا بِسُورَةٍ) مِنْ مِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فَعَارِضُوهُ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى ذَلِكَ بِمَنْ شِئْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنَّكُمْ لَاَ تَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ.
1 في أ: "بأن".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout