فَلَمَّا انْتَهَى إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ رَبْطَ الدَّابَّةِ عِنْدَ الْبَابِ، وَدَخَلَهُ فَصَلَّى فِي قِبْلَتِهِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ أَتَى الْمِعْرَاجَ (^١) -وهو كَالسلمِ ذُو دَرَجٍ يُرْقَى فِيهَا-فَصَعِدَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ إِلَى بَقِيَّةِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، فَتَلَقَّاهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مَقْرِبُوهَا، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ [عَلَيْهِمُ السَّلَاَمَ] (^٢) الّذين في السّمَاوَاتِ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، حَتَّى مَرَّّ بِمُوسَى الْكَلِيمِ فِي السَّادِسَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلِ فِي السَّابِعَةِ، ثُمَّ جَاوَزَ مَنْزِلَتَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُسْتَوَى يَسْمَعُ (^٣) فِيهِ صَرِيفُ الأَقْلاَمِ، أَيْ: أَقْلامُ الْقَدْرِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، وَرَأَى سَدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، تَعَالَى، عَظْمَةُ عَظِيمَةً، مِنْ فِرَاشٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَلْوَانِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَغَشِيْتُهَا الْمَلائِكَةُ، وَرَأَى هُنَالِكَ جِبْرِيلُ عَلَى صُورَتِهِ، وَلَهُ سِتُّمِائَةُ جُنَاحٍ، وَرَأَى رَفَرَفًَا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأَفْقَ، وَرَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ (^٤) وإِبرَاهِيمُ الْخَلِيلِ بَانِي الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ مُسْنَدًًا ظَهْرَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْكَعْبَةُ السَّمَاوِيَّةُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَرَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارِ، وَفَرَضَ اللَّهِ [عَز وَجَلّ] (^٥) عليه هنَالك الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ، ثُمَّ خَفَّفَهَا إِلَى خَمْسٍ؛ رَحْمَةً مِنْهُ وَلَطْفًَا بِعِبَادِهِ. وَفِي هَذَا اعْتِنَاءِ عَظِيمٍ بِشَرَفِ الصَّلَاةِ وَعَظْمْتِهَا. ثُمَّ هَبَطَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهَبَطَ مَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ لَمّا حَانَتْ الصَّلاةُ، وَيُحْتَمِلُ أَنَّهَا الصُّبْحُ مِنْ يَوْمَئِذٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُمّهَمْ فِي السَّمَاءِ. وَاَلَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ أَوَّلُ (^٦) دخوله إِلَيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمّا مَرَّّ بِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْهُمْ جِبْرِيلُ وَاحِدًًا وَاحِدًًا وَهُوَ يُخْبِرُهُ بِهِمْ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا مَطْلُوبًًا إِلَى الْجَنَابِ الْعَلَوِيِّ لِيُفْرِضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمَتِهِ مَا يَشَاءُ اللَّهَ، تَعَالَى. ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ، اجْتَمَعَ هُوَ وَإِخْوَانُهُ مِنْ النَّبِيِّيْنِ [صَلوَاتِ اللّهُ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ] (^٧) ثم أَظْهَرُ شَرَفَهُ وَفَضَّلَهُ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ، وَذَلِكَ عَنْ إشَارَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (^٨) له فِي ذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرَكِبَ الْبِرَاقَ وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ بِغَلَسٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَم.
وَأَمَّا عَرْضُ الْآنِيَةِ عَلَيْهِ مِنْ اللَّبَنِ وَالْعُسَلِ، أَوْ اللَّبَنِ وَالْخَمْرِ، أَوْ اللَّبَنِ وَالْمَاءَ، أَوْ الْجَمِيعِ -فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَاءَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا وَهَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ كَالضِّيَافَةِ لِلْقَادِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ: هَلْ كَانَ الْإِسْرَاءُ بِبَدَنِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ (^٩) وَرَوحهُ؟ أَوْ بُرُوحِهِ فَقَطْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَالْأَكْثَرُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ أَسْرِيَ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهُ يَقِظَةُ لَا مَنَامًَا، وَلَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ مَنَامًًا، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَهُ يَقِظَةً؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (^١٠) كَان لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّاَّ جَاءَتْ مِثْلُ فَلَقِ الصُّبْحِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ [عَز وَجَلَّ] (^١١) (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) فالتَّسْبِيحُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، وَلَوْ كَانَ مَنَامًًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ شَيْءٍ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَعْظِمًٌا، وَلَمَّا بَادَرَتْ كُفَّارَ قُرَيْشٍ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَلَمَّا ارْتَدَّ جَمَاعَةً مِمَّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ. وَأَيْضًٍا فَإِنَّ الْعَبْدَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ،
1 في ت، ف: "بالمعراج".
2 زيادة من ف.
3 في ت: "سمع"، وفي ف، أ: "فسمع".
4 في ت، ف، أ: "المعمور الذي".
5 زيادة من ف.
6 في ف، أ: "كان في أول".
7 زيادة من ف، أ.
8 في ت: "عليه الصلاة والسلام"
9 في ف: "صلى الله عليه وسلم".
10 في أ: "صلى الله عليه وسلم".
11 زيادة من: ف، أ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout