اللَّهُ، مَا تَُرَكْتُ حَتَّى سََبَبْتِك وَذَكَرْتْ آلِهَتُهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْف تَجِدُ قَلْبُكَ؟ " قَالَ: مُطْمِئِنَا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعَدّ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: (إِِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (^١).
ولهذا اتفق الْعُلمَاءُ عَلِى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَُوََالِى الْمُكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءًً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَاَلٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شَدَِّّةِ الْحُرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاَللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أَحََد، أَحََد. وَيَقُولُ: وَاَللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةَ هِيَ (^٢) أَغِيِظُ لَكُمْ مِنْهَا لِقِلْتِهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ (^٣) الأنصارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابِ: أَتَشْهَّدُ أَنَّ مُحَمَّدًًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَّدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَاَ أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يَقْطَعُهُ إِرَْبًا إِرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ (^٤).
وقال الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنه، حَرَّق ناسا ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَاَمِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لا تَعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتَلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسلّم: "مِنْ بَدَلَ دَيْنِهِ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحُ أُمِّ ابْنِ (^٥) عباس. رواه الْبُخَارِيُّ (^٦).
وقال الإِمام أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مََعَْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَُمَِيَْدِ بْنِ هِلاَلٍ الْعََدَِوِيّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى مُعَاذُِ بْنُ جَبَلٍ بِالْيُمَنِ، فَإِذَا رَجُلَ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ (^٧) رجُل كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهُودَ، وَنَحْنُ نَرِيدُهُ عَلَى الإِسْلَاَمِ مُنْذُ -قَال: أَحْسَبَ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَاَ أَقْعُدُ (^٨) حَتّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِيْنِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَلِ دَيْنِهِ فَاقْتُلُوهُ (^٩).
وهذه القصَّة فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ (^١٠).
والأَفضل والأَولِى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ (^١١) الحَافِظ ابْن عَسَاكِر، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذََافَّةَ السَّهْمِيِّ أَحَدُ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرْتْهُ الرُّومَ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى (^١٢) ملكهم، فَقَالَ لَهُ: تَنْصُرُ وَأَنَا أَشْرُكُكَ فِي مِلْكِي وَأَزَوِّجَكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمَلِكَهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دَيْنِ مُحَمَّدٍ طَرَفَةَ عَيْنَ، مَا فَعَلْت! فَقَالَ: إِذَا أَقْتَلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصَلْبَ، وَأَمَرَ الرَّمَاةَ فَرَمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ دَيْنُ
1 سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩).
2 زيادة من ت، ف، أ.
3 في ف: "يزيد".
4 انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣).
5 في ت، ف: "ابن أم".
6 المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢).
7 في ت: "فقال".
8 في ف: "قعدتك".
9 المسند (٥/ ٢٣١)
10 صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣).
11 في ف، أ: "كما ذكر".
12 في ف: "عند".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout